IMLebanon

حرب «الشرق الأوسط الجديد»؟

 

لا تبدو المواجهة العسكرية المشتعلة اليوم بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، مجرد فصل جديد من فصول «حروب الظل» التي اعتادتها المنطقة. نحن أمام زلزال سياسي وعسكري يتجاوز في تداعياته حدود التصعيد التقليدي، ليضع نظام «ولاية الفقيه» برمته أمام اختبار وجودي لم يسبق له مثيل منذ فيامه عام ١٩٧٩.

 

ففي الوقت الذي اعتبر فيه النظام أن بقاءه، رغم حجم الخسائر، يمثل انتصاراً في حد ذاته، جاءت ضربات اليوم الأول لتهز أركان هذا الشعار، خاصة بعد اغتيال الإمام الخامنئي وتصفية قيادات عسكرية من الصف الأول، مما وضع موازين القوى الإقليمية أمام احتمال تحوّل جذري وجبري.

لقد استندت السياسة الإيرانية طوال سنوات على استغلال «الازدواجية الأميركية» التي بدأت مع حقبة بوش الابن، حين أطلقت واشنطن يد إيران في الإقليم عبر إسقاط نظامي صدام حسين وطالبان، مما مكّن طهران من التمدد في الفراغ الجيوسياسي. ورغم محاولات جيرانها في الدول الخليجية انتهاج سياسة التهدئة والاحتواء، وقيامهم بجهود دبلوماسية جبارة في كانون الثاني/يناير الماضي لتأجيل الضربة العسكرية والسعي لدى واشنطن لمنح فرصة حقيقية للمفاوضات، إلا أن طهران لم تحسن استغلال هذه الفرصة التاريخية. وبدلاً من الانخراط في حلول تجنب المنطقة الانزلاق إلى الهاوية، واصلت طهران سياسة المماطلة والعناد في جولات المفاوضات، متمسكة بمخططاتها النووية والبالستية والحفاظ على تمويل الأذرع المسلحة، وهو ما أدى في النهاية إلى انفجار المواجهة الكبرى التي نشهدها اليوم.

المفاجأة الإيرانية في اليومين الأولين للحرب لم تقتصر على هشاشة الحماية الأمنية لكبار المسؤولين، بمن فيهم مرشد الجمهورية والقياديين العسكريين والأمنيين وحسب، بل كانت الأكثر فجاجة، عمليات القصف التي إستهدفت عواصم الدول الخليجية، التي حاولت إحتواء الأزمة بين واشنطن وطهران، وضغطت لتأجيل الضربة التي كانت متوقعة في كانون الثاني الماضي، ونجحت في جمع الطرفين على طاولة الحوار لمدة شهر كامل، ولكن المناورات الإيرانية المعهودة أضاعت فرصة الحل الديبلوماسي، وأعطت نتنياهو ذريعة «إقناع» الرئيس الأميركي ترامب بضرورة الضربة العسكرية المشتركة ضد النظام الإيراني.

وفي قلب هذا الإعصار، تبرز العقلانية في الموقف اللبناني كضرورة وطنية ملحَّة تستوجب التبصُّر والواقعية. إن ما يشهده الداخل اللبناني من نقاشات حول دور «حزب االله» يتطلَّب وقفة صريحة؛ إذ لم يعد مقبولاً التهور بقرار فتح جبهة الجنوب، وتوريط البلاد في تداعيات حرب تفوق قدرة الدولة واللبنانيين على تحملها. ويتساءل الكثيرون بمرارة في بيئة الحزب: «إذا كانت إيران قد وقفت صامتة ولم تحرك ساكناً عند اغتيال السيد حسن نصرالله في حرب 2024، فما هو المنطق الذي يدفعنا اليوم للاندفاع نحو الانتحار تحت حجة الثأر للإمام الخامنئي؟».

هذا التساؤل العفوي ينسجم تماماً مع التوجُّه الرسمي اللبناني. فقد عكس كلام رئيس الجمهورية  جوزاف عون، ورئيس الحكومة نواف سلام، حول ضرورة النأي بلبنان عن نيران الحرائق الإقليمية، والتمسك بالشرعية الدولية وحماية السلم الأهلي. إن بقاء حزب الله في موقع الدعم السياسي والإعلامي هو الموقف الوحيد الذي يحفظ ما تبقّى من هيكل الدولة اللبنانية، ويحمي جمهوره من دفع أثمان باهظة جديدة، في صراع تبدو فيه طهران بالذات عاجزة حتى عن حماية رأس نظامها.

إن إعادة صياغة موازين القوى في المنطقة باتت قدراً لا مفرَّ منه، سواءٌ عبر تغيير سلوك النظام الإيراني بالقوة، كما يجري حالياً، أو عبر ولادة واقع جديد في طهران، وقيادة جديدة تقلب صفحة المرحلة الماضية، وتُعيد الدولة الإيرانية إلى المجتمع الدولي، وتتخلى عن سياسات الشعارات الإستفزازية وفي مقدمتها  شعار «تصدير الثورة»، مما  يُنهي حقبة «الوكلاء» ويضع حداً لسياسة تصدير الأزمات التي لم تجلب للبنان ودول المنطقة سوى الخراب والدمار، فضلاً عن حالة العداء والتحريض ضد دول الجوار.

ثمة مرحلة بكاملها بدأت تُطوى صفحاتها بكل ما لها وما عليها، تمهيداً لظهور المرحلة المنتظرة في طهران التي تتطلَّب التخلي عن البرنامج النووي، الذي ذهبت ملياراته تحت أنقاض المنشآت النووية المدمرة، فضلاً عن إعادة النظر ببرنامج الصواريخ البالستية، ووقف تمويل الأحزاب والتيارات المسلحة وتحويل الميزانيات  الضخمة إلى المشاريع الإنمائية الحيوية التي أضحت أولوية مطلقة لتعويض سنوات الحصار المديدة.

لا إيران، ولا المنطقة، ستكون بعد الحرب كما كانت قبلها.

إنها حرب «الشرق الأوسط الجديد».