IMLebanon

نداء الوطن: ترامب للإيرانيين: احفظوا أسماء القتلة

 

 

 

تتقلّص الخيارات المتاحة أمام نظام الملالي بسرعة فائقة وسط ضغط الشارع الثائر وتهديدات الرئيس الأميركي دونالد ترامب الحازمة. لا يبدو أن رهان طهران على سحق “ثورة الحرّية” بسفك دماء المتظاهرين يؤتي ثماره، إنما يزيد من تصميم الإيرانيين على المقاومة حتى إسقاط النظام، كما يرفع احتمال التدخل الأميركي لدعم المحتجّين تنفيذًا لوعد ترامب بنصرتهم في وجه آلة القتل. وبعد محاولة إيرانية يائسة ومفضوحة بعرض الحوار مع واشنطن لشراء الوقت ريثما تتفرّغ طهران لإجهاض الثورة، وفيما تتكشف تباعًا الأرقام المرعبة للقتلى من الثوار الذين يدفعون “أغلى ثمن” لنيل حرّيتهم وتحرير بلادهم من نظام “آيات الله”، رفع سيّد البيت الأبيض سقف مواقفه أمس وأعطى الإيرانيين جرعة تفاؤل، إذ طالب “الوطنيين الإيرانيين” في منشور على منصته “تروث سوشال”، بمواصلة الاحتجاج والسيطرة على مؤسساتهم، داعيًا إيّاهم إلى حفظ أسماء القتلة والمسيئين، لأنهم “سيدفعون ثمنًا باهظًا”. كما أعلن، وهنا بيت القصيد، إلغاء كلّ الاجتماعات مع مسؤولين إيرانيين إلى أن يتوقف القتل العبثي للمتظاهرين، حاسمًا أن “المساعدة في الطريق”.

 

لاحقًا، أوضح الرئيس الجمهوري أثناء حديثه مع الصحافيين من داخل مصنع “فورد” في ولاية ميشيغان، أنه لم يتمكّن بعد من تكوين صورة دقيقة عن عدد المتظاهرين الذين قُتلوا في إيران، لكنه اعتبر أنه سنكتشف ذلك خلال الساعات الـ 24 المقبلة. وردًا على سؤال عمّا إذا كان ينبغي على الأميركيين أو مواطني الدول الحليفة للولايات المتحدة مغادرة إيران، أجاب ترامب: “أعتقد أن الخروج ليس فكرة سيّئة”. كما رفض الخوض في تفاصيل إضافية في شأن رسالته السابقة التي قال فيها إن “المساعدة في الطريق”، وقال مخاطبًا الصحافيين: “عليكم أن تكتشفوا ذلك بأنفسكم”. وعاد ترامب ليؤكد خلال خطابه في “فورد” ما كتبه سابقًا على “تروث سوشال”، علمًا أن الرئيس الأميركي كان قد أعلن فرض رسوم جمركية بنسبة 25 في المئة على الواردات من أي دولة تتعامل تجاريًا مع إيران.

 

تفيد تقارير صحافية أميركية بوجود مجموعة واسعة من الخيارات على طاولة ترامب، من الهجمات السيبرانية والحملات النفسية التي تهدف إلى تعطيل هياكل القيادة الإيرانية وشبكات الاتصالات ووسائل الإعلام الرسمية، وصولًا إلى توجيه ضربات جوّية وبحرية ضدّ الأجهزة التي تقمع التظاهرات وضدّ من يعطون الأوامر بذلك، فضلًا عن احتمال استهداف مراكز القيادة والسيطرة ومواقع لـ “الحرس الثوري”، وحتى المنشآت النووية ومصانع الصواريخ ومخازنها. كما يمكن شن عمليات سيبرانية ونفسية بالتزامن مع استخدام القوة العسكرية التقليدية. وبحسب “أكسيوس”، قال وزير الخارجية ماركو روبيو خلال اجتماعات مغلقة عُقدت في الأيام الأخيرة، إن الإدارة الأميركية تنظر في هذه المرحلة في ردود غير عسكرية لمساعدة المتظاهرين، في حين يؤكد المعارضون الإيرانيون أنهم ينتظرون ترجمة قائد “العالم الحرّ” أقواله إلى أفعال مؤثرة على الأرض لوقف حمام الدم في بلادهم.

 

وفي ما يبدو أنه تحضير أولي لمرحلة ما بعد الجمهورية الإسلامية، في حال انهار النظام في مرحلة معيّنة، التقى المبعوث الأميركي ستيف ويتكوف سرًا خلال عطلة نهاية الأسبوع مع ولي العهد الإيراني السابق المنفي رضا بهلوي، لمناقشة الاحتجاجات المستمرة في إيران، حسب موقع “أكسيوس”، الذي أكد أن هذا اللقاء كان الأول بين المعارضة الإيرانية وإدارة ترامب منذ بدء الاحتجاجات. وذكر أنه عندما بدأت الاحتجاجات، لم ترَ إدارة ترامب في بهلوي لاعبًا سياسيًا ذا أهمية، لكن مسؤولًا أميركيًا رفيع المستوى أوضح أن الإدارة فوجئت بأن المحتجين في العديد من التظاهرات كانوا يهتفون باسم بهلوي “بشكل طبيعي ومن تلقاء أنفسهم على ما يبدو”. وفي استطلاعات الرأي التي أُجريت خلال السنوات القليلة الماضية، بما في ذلك في تشرين الثاني الماضي، أيّد نحو ثلث الإيرانيين بهلوي، بينما عارضه ثلث آخر بشدّة. ويُعد هذا التأييد أعلى من أي شخصية أخرى في المعارضة الإيرانية.

 

في الغضون، بدأ الحجم الحقيقي للقمع والبطش اللذين استخدمهما ملالي طهران ضدّ المتظاهرين السلميين منذ اندلاع الثورة المستجدة، يتبلور أكثر فأكثر، بحيث كشفت قناة “إيران إنترناشيونال” أنه “في أكبر مجزرة في تاريخ إيران المعاصر، وتحديدًا خلال ليلتين متتاليتين، الخميس والجمعة 8 و9 كانون الثاني، قُتل ما لا يقل عن 12 ألف شخص”، غالبيتهم من الشباب دون الثلاثين، مشيرة إلى أن هؤلاء المواطنين قتلوا على يد قوات “الحرس الثوري” و”الباسیج”. واعتبرت أن “هذه المجزرة كانت مُنظمة بالكامل، ولم تكن نتيجة اشتباكات متفرّقة أو عفوية”، مؤكدة أن القتل جرى بـ “أمر من علي خامنئي شخصيًا”، وبمعرفة وتأييد صريح من رؤساء السلطات الثلاث. كما أكدت شبكة “سي بي أس نيوز” الأميركية نقلًا عن مصادر أن حوالى 12 ألف شخص قُتلوا، وربّما يصل العدد إلى 20 ألف شخص.

 

وشاركت إسرائيل تقديرًا مع أميركا يشير إلى مقتل نحو 5000 محتج في إيران، حسب موقع “أكسيوس”، فيما كشف مصدر حكومي لوكالة “رويترز” أن الكابينت الإسرائيلي تلقى إحاطة حول “فرص إسقاط نظام الملالي في إيران والتدخل الأميركي”. وأضاف مصدر آخر أن التقييم يفيد بأن ترامب سيتخذ قراراً بشن هجوم، لكن نطاق الرد وتوقيته ما زالا غير معروفين. بالتوازي، أفاد مسؤول إيراني لوكالة “رويترز” بأن نحو 2000 شخص، بينهم أفراد أمن، قتلوا في احتجاجات إيران، وهو أوّل إقرار شبه رسمي من النظام الظلامي بهذا العدد الكبير من القتلى. وكشف مسؤول رفيع في الصحة الإيرانية لصحيفة “نيويورك تايمز” أن نحو 3000 شخص قُتلوا في أنحاء البلاد، لكنه حاول إلصاق اللوم بـ “الإرهابيين” الذين يثيرون الاضطرابات، لافتًا إلى أن الرقم يشمل المئات من ضباط الأمن.

 

وكشف شهود عيان لـ “نيويورك تايمز” أن قوات النظام بدأت بإطلاق النار، على ما يبدو بالأسلحة الآلية وأحيانًا بشكل عشوائي على المحتجين العزل. وقال العاملون في المستشفيات إن المحتجين كانوا يصلون في السابق مصابين بجروح ناجمة عن المقذوفات، لكنهم الآن يصلون وهم مصابون برصاص وكسور في الجمجمة. ووصف أحد الأطباء الوضع بأنه “حالة ضحايا جماعية”. ورغم قطع الاتصالات، فقد تسرّبت صور من إيران تظهر صفوف متتالية من أكياس الموتى. وكشف مسؤولون أميركيون أن وكالات الاستخبارات الأميركية قدّرت أن الاحتجاجات الحالية وقمعها أعنف بكثير من تلك التي شهدتها إيران عام 2022 أو الانتفاضات الأخيرة الأخرى ضدّ النظام.

 

وفي إطار محاولة الملالي إخفاء حجم جرائمهم بحق شعبهم، أكدت مجموعة مراقبة الإنترنت “نيت بلوكس” أن إيران بلا اتصال بالإنترنت منذ خمسة أيام، ما حدّ بشكل كبير من تدفق الصور ومقاطع الفيديو وشهادات الشهود. لكن رغم ذلك، تمكّنت شبكة “سي أن أن” من الوصول إلى بعض الأشخاص على الأرض عند توفر مكالمات قصيرة عبر الهواتف الأرضية أو المحمولة. ووصف العديد من الشهود عمليات القمع العنيفة للمحتجين والظروف “الفوضوية” داخل المستشفيات.

 

وزعمت وزارة الاستخبارات الإيرانية بأنها صادرت شحنة كبيرة من “الأجهزة الإلكترونية للتجسس والتخريب”، مدعية أن المعدّات جرى تهريبها إلى البلاد وكانت مخصّصة للاستخدام في مناطق الاحتجاجات، في وقت أفادت فيه وكالة “بلومبرغ” بأن الملياردير الأميركي إيلون ماسك يقدّم خدمة “ستارلينك” مجانًا في إيران مع استمرار انقطاع الإنترنت.

 

أوروبيًا، استدعت بريطانيا وفرنسا وألمانيا وإيطاليا وهولندا، سفراء إيران لديها، احتجاجًا على حملة القمع، كما استدعى جهاز العمل الخارجي الأوروبي السفير الإيراني لدى الاتحاد الأوروبي. وتعهّدت وزيرة الخارجية البريطانية إيفيت كوبر بأن بلادها ستعمل على فرض مزيد من العقوبات على إيران. وأكدت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين أن الاتحاد الأوروبي سيقترح “على وجه السرعة” فرض المزيد من العقوبات على المسؤولين عن قمع التظاهرات في إيران.

 

وكان لافتًا جدًا اعتبار المستشار الألماني فريدريش ميرتس أنه إذا كان النظام (الإيراني) لا يستطيع البقاء في السلطة إلّا بالعنف، فإنه عمليًا يحتضر، مبديًا اعتقاده “أننا نشهد الآن الأيام والأسابيع الأخيرة لهذا النظام، وفي كل الأحوال، لا يملك شرعية من خلال الانتخابات”، وأمل في “وجود إمكانية لإنهاء هذا الصراع سلميًا”. وأكد أن ألمانيا على اتصال وثيق مع أميركا والحكومات الأوروبية، بينما استنكر وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي تصريحات ميرتس، متهمًا برلين بازدواجية المعايير، وقال إنه “قوّض أي صدقية لديه”.

 

أمميًا، حض خبراء عيّنهم مجلس حقوق الإنسان، النظام الإيراني، على الامتناع عن استخدام القوة القاتلة ضد المتظاهرين، عقب ما وصفوه بـ “انتهاكات واضحة” للقانون الدولي لحقوق الإنسان. وأكد مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان فولكر تورك أن تهديدات المسؤولين الإيرانيين بمعاقبة المتظاهرين بعقوبة الإعدام “مقلقة للغاية”، فيما من المقرّر أن يعقد مجلس الأمن جلسة يوم الجمعة لإجراء مناقشة “طارئة” حول الوضع في إيران.

 

إلى ذلك، ندّدت روسيا بما وصفته بأنه “تدخل خارجي هدام” في الشؤون الداخلية الإيرانية، معتبرة أن التهديدات الأميركية بشن ضربات عسكرية جديدة ضدّ إيران “غير مقبولة بتاتًا”. وحذرت من أنه “يجب على من يخططون لاستخدام الاضطرابات المستلهمة من الخارج، ذريعة لتكرار العدوان الذي تعرّضت له إيران في حزيران 2025 أن يدركوا العواقب الوخيمة لمثل هذه الأعمال على الوضع في الشرق الأوسط والأمن الدولي العالمي”.

 

وكشفت الخارجية القطرية أن رئيس الوزراء الشيخ محمد بن عبد الرحمن، عبّر عن دعم الدوحة لكافة جهود خفض التصعيد خلال اتصال هاتفي مع الأمين العام للمجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني، موضحة أنه “جرى خلال الاتصال استعراض علاقات التعاون بين البلدين وسبل دعمها وتعزيزها، ومناقشة آخر التطورات في المنطقة، بالإضافة إلى عدد من الموضوعات ذات الاهتمام المشترك”، كما أجرى عراقجي محادثات مع نظيره التركي هاكان فيدان.