بين حدّ الاهتراء على المستوى الداخلي والمخاطر المصيرية على المستوى الإقليمي، تبدو الحاجة إلى تجاوز أسباب الانقسام السياسي الذي حكم الحياة العامة في لبنان، وتحوّله مع مسألة انتخاب رئيس جديد للجمهورية، إلى معضلة؛ ضرورة وطنية ملحة.
إن التباينات السياسية والتباعد في الرؤى يجب ألا يفقدانا القدرة على وقف الانهيار الشامل للمؤسسات، وهو انهيارٌ لامس الدولة بذاتها والقيم التي قامت على أساسها.
إن أي رئيس للجمهورية سيتم التوافق بشأن انتخابه، في هذه الظروف الاستثنائية التي تحكم أوضاعنا الداخلية وتمر بها المنطقة العربية، عليه أن يقدّم ضمانات وتطمينات لمختلف القوى والفئات اللبنانية، انطلاقاً من كونه «رمز وحدة الوطن يسهر على احترام الدستور والمحافظة على استقلال لبنان ووحدته وسلامة أراضيه وفقاً لأحكام الدستور»، وفقاً لما جاء في المادة 49 من الدستور.
ومن نافل القول إن هذه التطمينات يجب أن تستند إلى خطاب وحدوي وأداءٍ وحدوي يعيد ثقة اللبنانيين بمؤسساتهم الدستورية، من دون أن يشكل ذلك تقييداً للرئيس بتعهدات لا تقع ضمن صلاحياته الدستورية، بل من صلاحيات سلطة مجلس النوّاب، كما هو الحال في ما يتعلق بالحديث عن طبيعة مشروع قانون الانتخابات النيابية المنتظر.
إن المبادرة الجريئة التي رشّحت رئيس «كتلة لبنان الحر الموحّد» النيابية النائب سليمان فرنجية، تشكل فرصة مضاعفة للخروج من النفق المظلم الذي نعيشه في لبنان، وذلك لأربعة أسباب:
الأول، أن النائب فرنجية، ركن من الأركان الأربعة الذين تم الاتفاق بأنهم يمثلون الوجه السياسي للطائفة المارونية بمباركة الصرح البطريركي للطائفة الكريمة، لا سيما أن الأقطاب الموارنة الأربعة توافقوا في اجتماع الأقطاب الذي عُقد برعاية البطريرك مار بشارة بطرس الراعي في بكركي مساء 28 آذار 2015، على «أن ترشيح كلّ منهم للرئاسة مقبول من الآخرين، وتعهدوا بأن أحداً من الأربعة لا يضع فيتو على الآخر»، كما صرّح النائب العام البطريركي المطران سمير مظلوم. ولا يعني قول ما ورد أعلاه على الإطلاق أن رؤساء الكتل الباقية ليس لكل منهم مزايا عدة يتحلّون بها وتؤهلهم حتماً لتبوُّء مركز رئاسة الجمهورية، غير أن ما نراه الآن هو أن مبادرة ترشيح النائب فرنجية بتغطية خارجية ومحلية تجعله الأكثر حظاً في تفكيك هذه العقدة الكأداء، عقدة عدم تمكننا من انتخاب رئيس للجمهورية لفترة تقارب السنة والسبعة أشهر.
فهل نفوّت هذه الفرصة السانحة، وهل لنا أن نتمنى على الزعماء والقادة الموارنة أن يتساهلوا ويقوموا بدور داعم لهذا الترشيح من أجل مصلحة لبنان العليا وعودته إلى الانتظام الدستوري فيكونوا بذلك قد تعالوا على الذات وضحّوا بما يريح الوطن واللبنانيين؟
الثاني، أنه من موقعه السياسي، المحتضن من قبل فئات شعبية واسعة في لبنان، قادرٌ على فتح الأبواب الموصدة بوجه الحلول المتعلقة بالأزمات المتراكمة، وبالتالي، فهو قادر على إطلاق ورش العمل والحوار داخل المؤسسات الدستورية، وإعادة تفعيل العمل الحكومي، وإشاعة مناخ من الثقة لدى فئات رجال الأعمال والمؤسسات الدولية. ولا يسعنا في هذا السياق، إلا التذكير بأن أوضاعنا الاقتصادية ترزح تحت عبء ثقيل جرّاء الشغور الرئاسي، والتداعيات المرتبطة به، كما أن الوضع المالي، على الرغم من ثباته، إلا أنه مهددٌ ما قد ينعكس سلباً على واقع الاستثمار في لبنان راهناً ومستقبلاً.
ثالثاً، إن تجربته السياسية في التعامل مع الملفات الكبرى، تعطيه المزيد من رصيد «الصدقية» فهو صادقٌ في ما يقول وحازم في ما يفعل، ولا يسعنا هنا إلا الإشارة إلى موقفه خلال فترة تحمّله مسؤولية وزارة الداخلية في العام 2005، والموقف الذي أعلنه وترجمه حيال قانون انتخابي يلبي مبدأ التوازن الوطني وتطلعات الصرح البطريركي آنذاك.
رابعاً، لا يختلف اثنان على وصف فرنجية بأنه سليل مدرسة وطنية – ميثاقية نعوّل عليها كي نحفظ لبنان من مخاطر وجودية تتهدده بقوّة، وبات التضامن الوطني، أكثر من ضرورة قبل سقوط الجميع في هاوية المشروع التفتيتي التي تمر بها منطقتنا العربية تحت عناوين مختلفة.