IMLebanon

ذخائر غير منفجرة على الرصيف 2 منذ 22 عاماً!

 

من أكثر ما صدم الرأي العام في المعطيات المتوافرة عن كارثة انفجار بيروت في 4 آب الجاري، أن الـ2750 طناً من نيترات الأمونيوم المخزنة في العنبر الرقم 12 منذ 2014. وإذا كانت الدولة قد سكتت عن خطر داهم طوال ست سنوات، فما بالها بخطر مستمر منذ 21 عاماً في المرفأ نفسه؟ على الرصيف الرقم 2 بجوار القاعدة البحرية، ترسو «ماعونتان» محملتان بأطنان من القذائف غير المنفجرة، رفعت من عمق البحر بين العامين 1997و1998. سبب الاحتفاظ بعشرات القذائف غير المنفجرة هو عدم احتساب الرسوم الجمركية المترتبة على صاحب الماعونتين من قبل مديرية الجمارك وإدارة واستثمار المرفأ في حال قرر نقل الحمولة إلى خارج المرفأ. وبالنظر إلى مسار القضية، يظهر نوع من التواطؤ الخفي بين القيمين على المرفأ والجمارك وصاحب الماعونتين HS-12 وHS -11، ولا سيما أنه حصل في عام 2014 على تقرير خبير قدّر بدل الإشغال اليومي بمبلغ 250 دولاراً، كبدل إشغال عن كل يوم حمّل فيه الحطام البحري على ظهر ماعونتيه. وبناءً عليه، استند إلى مطالبة الدولة بتعويض بحوالى عشرة ملايين دولار!

 

في تفاصيل القضية، وفق وثائق وزارة الأشغال والنقل حصلت عليها «الأخبار»، يتبيّن أن الوزارة (في عهد علي حراجلي) أجرت عام ١٩٩٧ مناقصة لتلزيم ورفع الحطام البحري (قذائف غير منفجرة) وتعزيل أحواض مرفأ بيروت. رست المناقصة على شركة «سارمولم» الإنكليزية التي باشرت التنفيذ قبل أن تتعثر وتتوقف عن إنجاز الأشغال بحسب دفتر الشروط، ما دفع بإدارة واستثمار المرفأ إلى فسخ العقد معها قبل أن تلزّم، في 15 حزيران 1998، الأشغال المتبقية إلى المتعهد الثانوي «آراب إكسبرس». ووفق مصدر مواكب للصفقة، كان من المفترض رمي الحطام في البحر بحسب ما نص دفتر الشروط الخاص بالالتزام، إلا أن إدارة المرفأ عادت وسمحت للمتعهد (خلافاً لدفتر الشروط) بإخراجها من الحرم المرفئي بدل رميها في البحر وتفجيرها، مقابل تسديد الرسوم الجمركية عليها! علماً بأن شركة «أراب إكسبرس» وفق المصدر، حصلت على كافة مستحقاتها بعد تنفيذ الأشغال المطلوبة منها، لكنها تمنّعت عن تبلغ «معاملة الاستلام»، لدفع الإدارة إلى صرف مستحقات إضافية لصالحها بدلاً عن القذائف غير المنفجرة الإضافية التي استخرجت ولم تكن في الحسبان. وإزاء اعتراضها على قيمة المستحقات، «طلبت إليها إدارة المرفأ متابعة العمل، على أن يحق لها من حيث المبدأ المطالبة بإعادة النظر ببدل القذائف المنتشلة خارج السقف المالي».

فماذا فعلت الجمارك وإدارة واستثمار المرفأ طوال 21 عاماً؟

تأخر القيّمون على المرفأ في احتساب الرسوم الجمركية التي وضعوها كشرط لإخراج الحطام من حرمه، ما حوّلها إلى رهينة، وجعل المرفأ نفسه ومحيطه رهينة الخطر المحدق من القذائف غير المنفجرة. وفي وثيقة تعود إلى تاريخ 22 تشرين الاول 2002، طلب وزير الأشغال والنقل الأسبق نجيب ميقاتي بيان رأي من هيئة التشريع والاستشارات في وزارة العدل لتحديد الوضع القانوني للماعونتين. وجاء في الوثيقة أن الإدارة أخفقت في تبليغ المتعهد عملية التسلم وفقاً للنظام المالي للمرفأ، ولم تتم تصفية حقوق المتعهد بالرغم من أن لجنة التسلم الكبرى في مرفأ بيروت قد أقرت في إحالتها الرقم 12397 بتاريخ 11 تشرين الثاني 1998 بأنه قام بتنفيذ الأعمال المطلوبة منه، وأن اللجنة تقترح مجتمعة الموافقة على عملية التسلم وتصفية البنود المالية المتعلقة بهذه الصفقة. وفرضت الادارة على المتعهد رسوماً على معداته وآلياته المستعملة في الالتزام خلافاً لما نص عليه دفتر الشروط الخاص، وقد دفعها بالفعل. وبعد انتهاء النزاعات القضائية في هذا الالتزام من دون تبيان أي خلل في فسخ عقد المتعهد البريطاني وتلزيم المتعهد «آراب إكسبرس» الذي نفذ الأشغال المطلوبة منه، تقدم الأخير بطلب تصفية حقوقه واسترجاع ما تم استيفاؤه منه من رسوم غير واجبة بنظره. لم تحسم كل من الهيئة والوزارة والجمارك وإدارة المرفأ مصير ذلك الملف حتى عام 2014. حينها، تقدم هاروتيون صوفايان صاحب «آراب إكسبرس» باستدعاء أمام قاضي الأمور المستعجلة في بيروت، يطلب الكشف على الماعونتين بغية وصفهما بدقة وتبيان سعة أو حمولة كل منهما وطبيعة عملهما وتبيان المعدل التأجيري الشهري لكل منهما. وقد قدّر الخبير المحلف الذي كلفته المحكمة، البدل بـ250 دولاراً عن كل يوم رسوّ في المرفأ وتحميل الحطام البحري (فترة تخزين الخردة المعلنة من كانون الأول 1999 الى حين مغادرتها المرفأ) استناداً إلى ماعونة مشابهة راسية في مرفأ طرابلس، فيما احتسب التعويض للمستدعي عن تجميد الماعونتين المحملتين بالأموال العامة بقيمة عشرة ملايين و500 الف دولار أميركي.

 

تأخر القيّمون على المرفأ في احتساب الرسوم التي وضعوها كشرط لإخراج الحطام

 

 

لم يبت وزراء الأشغال والنقل المتعاقبون والجمارك وإدارة المرفأ الملف، لا من ناحية احتساب الرسوم الجمركية ليدفعها المتعهد مقابل إخراج الحطام البحري من المرفأ ولا من ناحية دفع المستحقات التي طلبها. في هذا الوقت، لا تزال القذائف راسية على الرصيف الرقم 2 وقابلة لتكرار كارثة 4 آب على نحو يعرض السلامة العامة للخطر ويتسبب في هدر الأموال العامة نتيجة تراكم مستحقات صاحب الماعونتين الذي – على الأرجح – سيحكم القضاء لصالحه (أقرّت الوزارة وهيئة القضايا لاحقاً باستحقاقه للبدلات بشرط إعادة النظر في قيمتها). وإزاء هذا التواطؤ والمماطلة بين أطراف القضية، تبرز مخالفات عديدة، بدءاً من تراجع إدارة المرفأ والسماح للمتعهد بإخراج الحطام البحري برغم كونه من الأموال العامة. وفي حال صح قرار السماح بإخراجه، فلماذا المماطلة طوال 22 عاماً باحتساب الرسوم الجمركية، فلا سمح بإخراج الحطام ولا بتفريغ الماعونتين في البحر؟ وفي كلتا الحالتين، ينتفع المتعهد ببدلات تأجير ماعونتيه التي فاقت ثمنهما الذي لم يعد يتجاوز مئة ألف دولار. لكن الأخطر في كل ما تقدم، لماذا تفرّجت الدولة على القذائف الموقوتة التي تهدد السلامة العامة وسلامة المرفأ وحركة الملاحة؟ تفاهة الأداء الرسمي إزاء باخرة نيترات الصوديوم منذ عام 2014، تُبطل العجب.