الأولوية لمنع الشغور في مراكز قضائية

 

 

في خلال الأشهر الأولى من هذا العام، تُنهى خدمات كلٍّ من المدير العام لوزارة العدل والمدعي العام التمييزي ورئيس مجلس شورى الدولة ورئيس هيئة التشريع والاستشارات في وزارة العدل، لبلوغهم السن القانونية. وهي مراكز أساسية في الجسم القضائي اللبناني لا تملأ إلا أصالة. إذ وفق اجتهاد مجلس شورى الدولة، إن التكليف حالة غير قانونية، أما الإنابة فتقتصر على وظائف الفئة الثانية وما دون (م.ش. قرار رقم 168/2013 – 2014 تاريخ 26/11/2013، جمعية التجمع للحفاظ على التراث اللبناني/الدولة – وزارة الثقافة) ولكون هذه المراكز متصلة بالسلطة القضائية التي يجب المحافظة على استقلاليتها وفق المادة 20 من الدستور، فإن تعيين من يشغل هذه المراكز أمرٌ يتصل بالانتظام العام الذي اعتبره المجلس الدستوري مبدأً نصّ عليه الدستور وبمقتضاه يتحقق انتظام مؤسسات الدولة (م.د. قرار رقم 1/2019 تاريخ 8/1/2019).

 

 

فالدساتير تضع عادةً، الأسس التي ترتكز عليها السلطات لضمان استمرارية أدائها لوظائفها منعاً لحدوث الفراغ، مع ما يعنيه هذا الفراغ من شللٍ في المؤسسات وتعطيلٍ لمصالح الناس. ولهذا نسمي القانون أنه أداة تنظيم المؤسسات والمرافق العامة في حالة الحركة. أما الجمود أو الشغور، فهو أمرٌ لا يكون في ذهن المشترع الذي لا يشرّع للفراغ، بل لا يخطر على باله أن القيّمين على السلطات يسعون جاهدين لخراب المؤسسات أو تفريغها من القيّمين عليها.

ومن هذا المنطلق، كان من واجب مجلس الوزراء الحالي الانعقاد، ليس فقط لإقرار الموازنة على أهميتها، بل قبل ذلك لمنع الشغور في مراكز قضائية أساسية.

وسابقاً عند اقتراب تاريخ انتهاء ولاية حاكم لمصرف لبنان في الأول من آب 2011، جرى نقاش قانوني حول كيفية التمديد له في ظلّ حكومة تصريف الأعمال، وكيف نتفادى الفراغ في هذا الموقع الرسمي الحساس جداً، بل سعى بعض النواب إلى اقتراح قانون خاص للتمديد للحاكم في حال تعذُّر ذلك وفق الأصول العادية، بالرغم من أن المادة 25 من قانون النقد والتسليف تنصّ صراحة على أنه «بحال شغور منصب الحاكم، يتولى نائب الحاكم الأول مهام الحاكم ريثما يعين حاكم جديد».

ولهذا كانت الضرورة تبرر إعادة النظر في تعريف وتبيان نطاق تصريف الأعمال الذي يفترض أن المرحلة الانتقالية بين الحكومة المنقوصة الولاية والحكومة الكاملة الولاية هي قصيرة نسبياً أو مؤقتة، ولا يجوز أن تدوم أكثر من مدة معقولة، حتى إذا طالت توسّع تصريف الأعمال ليشمل ما من شأنه الخروج من الاستثناء، ولا سيما في ما يتعلق بعمل مؤسسات الدولة وإداراتها على أنواعها، فيصبح الضروري من الأعمال أكثر ضرورة وإلحاحاً (الهيئة الوطنية لحماية الدستور: رأي رقم 1/2013 تاريخ 19/11/2013).

إن هذا المنطق في تفسير «تصريف الأعمال» قد تبناه مجلس شورى الدولة، معلّلاً بأن «تصريف الأعمال هي نظرية معدة للتطبيق خلال فترة زمنية محددة انتقالية يجب أن لا تتعدى الأسابيع أو حتى الأيام. وإن تمددها لفترة أطول لا بد أن ينعكس على مفهومها برمته، ويصبح من الواجب التعامل مع هذا الواقع بشكل يسمح للحكومة تأمين استمراية المرافق العامة وتأمين مصالح المواطنين (قراران صادران عن غرفة الرئيس يوسف نصر: القرار رقم 137/2015-2016، تاريخ 1/12/2015 زينة بو مارون/ الدولة؛ والقرار رقم 349/2014-2015 تاريخ 23/2/2015 طانيوس يونس ورفاقه/ الدولة- 20/1/2014).

إن هذه الاجتهادات تنسجم مع الأسباب الموجبة للمادة 64 من الدستور، حيث تبيّن من مراجعة محاضر جلسة تعديل الدستور، أن النقاش كان بين النواب لا في اجتماع الحكومة الذي كان برأيهم بديهياً بل في صلاحية حكومة تصريف الأعمال بحلّ مجلس النواب (أحمد زين محاضر مناقشات الدستور وتعديلاته طبعة 1993 ص 370).

فلا شكّ تبعاً لما تقدّم في وجوب انعقاد الحكومة الحالية واتخاذ القرارات الأساسية في المواضيع الملحة والضرورية، وهذا ما كانت قد أجابت به هيئة التشريع والاستشارات في وزارة العدل عند سؤالها عن جواز انعقاد مجلس الوزراء في فترة تصريف الأعمال، حيث رأت الهيئة أن من واجب مجلس الوزراء الذي يكون في حالة تصريف الأعمال الانعقاد واتخاذ القرارات عندما تكون هناك مسائل ملحة تستوجب اتخاذ القرار، معلّلةً ذلك بأن التواجد في حالة من الضرورة تبرر العجلة لاتخاذ قرارات تخرج في الأحوال العادية، عن نطاق تصريف الأعمال… وأن لهذه العجلة سبباً زمنياً يتمثل بعدم وضوح تاريخ تشكيل حكومة جديدة في المدى المنظور، ما يخلق سبباً إضافياً لعقد الجلسة، وهذا السبب جوهري لتوسيع مفهوم تصريف الأعمال (الاستشارة رقم 644/2013 تاريخ 17/07/2013). وفي رأيٍ ثانٍ صادرٍ عن ذات الهيئة علّلت موقفها بأن «المادة 64 من الدستور قد أجازت للحكومة المستقيلة، أي ليس فقط للوزراء إفرادياً، بل للحكومة منعقدة تصريف الأعمال»، كما يتبين من حرفية المادة المذكورة «ولا تمارس الحكومة صلاحياتها قبل نيلها الثقة ولا بعد استقالتها أو اعتبارها مستقيلة إلا بالمعنى الضيّق لتصريف الأعمال» – وحيث إنه في أحوال العجلة أو الضرورة يكون للحكومة المستقيلة اختصاص ليس فقط لتصريف الأعمال الجارية، بل لاتخاذ أعمال تصرفية ولا مجال بالتالي للقول بتوسيع مفهوم تصريف الأعمال بالمعنى الضيق المنصوص عليه في المادة 64 من الدستور لأن هذا المفهوم لحظ للأحوال العادية لعمل المؤسسات والمرافق العامة للدولة، وحيث إن الضرورة (ممارسة الحقوق الدستورية والعجلة (انتهاء ولاية المجلس النيابي) متحققتان في الحالة الحاضرة، لذا يجب على الحكومة المستقيلة مجتمعة وعلى الوزراء بالانفراد اتخاذ القرارات الآيلة إلى إجراء الانتخابانات النيابية وفقاً للقانون، وذلك في استحقاقها الدستوري (الاستشارة رقم 463 تاريخ 23/5/2013 ).

وبذات المنطق نرى أن التعيينات القضائية استحقاق دستوري، لكونه يتصل بتكوين السلطة القضائية التي يجب صيانة استقلالها وفق المادة 20 من الدستور، ويكون تبعاً لذلك ملء الشواغر في مراكز قضائية عليا هو واجب دستوري يحتّم عقد جلسة استثنائية لمجلس الوزراء لإقرار هذه التعيينات كما هو واجبه في عقد جلسة لإقرار الموازنة.