• Subscribe to newsletter

«رباعية» نصرالله ساقطة.. بالضربة الوطنية

لعلّ النقطة الوحيدة المتّفق عليها بين مؤيدي «حزب الله» وخصومه في ما خصّ الخطاب الأخير للسيّد حسن نصرالله، أنّه الأهم بين سائر خطاباته في الآونة الأخيرة. الإعلام القريب من الحزب إعتبر هذا الخطاب «استراتيجياً»، وهذه شهادة من «داخل البيت» أنّ هذا الخطاب لم يكن «موضِعياً»، أي أن الغاية منه لم تكن حصراً تناول معركة الجيش اللبناني ضدّ «داعش» في جرود البقاع الشمالي، أو تلك التي يخوضها الحزب «كتفاً إلى كتف» مع الجيش السوري في منطقة القلمون الغربي السورية. إنمّا هدف الخطاب الأساسي كان إبراز العناوين الأساسية لسياسة الحزب في المرحلة المقبلة.

عنوانان أساسيان يمكن التركيز عليهما في خطاب نصرالله أمس الأول، والذي هو بالمناسبة لا يخرج عن المسار السياسي العام الذي يتّبعه الحزب في الآونة الاخيرة لكنّه جاء ليعطي خلاصات في شأنها وليقول صراحة ما كان سابقاً يقوله تلميحاً أو بحدّة أقل. العنوان الأوّل المهّم في كلام نصرالله الأخير كان تصعيد الضغط على الحكومة اللبنانية في مسألة التنسيق مع النظام السوري. وهذه المرّة ليس مبّرر التنسيق هذا سوى الملف الإنساني الأكثر دقّة في لبنان منذ الحرب الأهلية، أي ملف العسكريين المخطوفين لدى «داعش». حيث دعا الحكومة اللبنانية إلى «الطلب الرسمي اللبناني والتنسيق العلني مع النظام السوري»، لمعرفة مصير العسكريين في حال دخلت في أي مسار تفاوضي لهذا الغرض. ومن نوافل القول إنّ هذه الدعوة كما المفاوضات التي يجريها الحزب مع «داعش» داخل الأراضي السورية، تزيد من تعقيدات هذه القضية الإنسانية الشائكة، والتي هي أساساً في صلب مهام الجيش اللبناني، وليس «حزب الله» أو النظام السوري.

ليس خافياً أن مطلب تنسيق الحكومة اللبنانية مع حكومة دمشق ليس جديداً من جانب «حزب الله» وحلفائه، بل هو مطلب قديم يستخدمه الحزب ومجموعاته تبعاً لأجندته السياسية التي ليست سوى حلقة من حلقات السياسة الإيرانية في المنطقة، كما يقول «حزب الله» نفسه. والمحاولة الأخيرة لدفع الحكومة اللبنانية إلى التنسيق مع النظام السوري كانت بُعيد معركة جرود عرسال التي خاضها الحزب ضدّ «جبهة النصرة»، عندما أثيرت مسألة زيارة بعض الوزراء إلى سوريا للمشاركة في مؤتمر إقتصادي الغاية السياسية منه القول إنّ «الحرب انتهب في سوريا بانتصار النظام».. ولكن، وللمفارقة، فما إن انعقد المؤتمر حتّى تعرّض مكان انعقاده للقصف ما أسفر عن سقوط قتلى وجرحى!

إذاً، هذا التصعيد التدريجي في طلب التنسيق مع النظام السوري، ما هو إلا صدى للإرباك الإيراني في الإقليم في ظل الحراك الديبلوماسي (وخصوصاً التنسيق الأميركي ـ الروسي) بشأن الأزمة السورية، على حد تعبير عضو المكتب السياسي في تيار «المستقبل» النائب السابق مصطفى علوش لـ «المستقبل». ولعلّ «محاولة حزب الله الإستئثار بكل جبهات القتال مع الإرهاب وداعش»، كما جاء في بيان تيار «المستقبل» ردّاً على نصرالله، تندرج أيضاً في سياق تجميع أوراق قوّة بيد إيران وحلفائها في المنطقة لتحسين شروطها على طاولة المفاوضات السورية.

هذا التصعيد الذي يقوده نصرالله بوجه الحكومة اللبنانية التي تلتزم في بيانها الوزاري ـ وبموافقة نصرالله ـ النأي بنفسها عن صراعات المنقطة، وهو ما يرد أيضاً في خطاب القسم، يفسّر، بحسب علوش، الإحراج والضيق اللذين يشعر بهما الحزب بإزاء الصورة الميدانية والسياسية التي أفرزتها معركة «فجر الجرود» التي يقوم بها الجيش اللبناني «من دون إملاءات أو شراكة من أحد»، كما جاء في بيان كتلة «المستقبل» أمس الأول.

ويلفت علوش إلى أن «معركة فجر الجرود التي أكدّت قدرة الجيش وجاهزيته في مواجهة الإرهاب، ستفتح الباب مستقبلاً أمام تزايد الأسئلة في الداخل اللبناني عن جدوى بقاء السلاح بيد حزب الله، طالما الجيش اللبناني قادر على مواجهة الإرهاب بإجماع سياسي ووطني لا يتوفّر لأي حزب مهما صرف من جهد ومال في الدعاية الإعلامية والسياسية لنشاطاته العسكرية. وهذا ما أثبته الإجماع الشعبي حول الجيش في فجر الجرود، بخلاف معركة الحزب في جرود عرسال، والتي لم تحظَ بإجماع شبيه بالرغم من كلّ الضخّ الإعلامي وشرائط فيديو الإعلام الحربي التي كرّرت نفسها على مدى أيّام!».

وهذا يحيل إلى نقاش لا بل سجال لبناني قديم، هو السجال بين أن يكون لبنان ساحة لأجندات إقليمية لا مصلحة له في اتباعها، وبين أن ينأى بنفسه عن صراعات المنطقة، للحفاظ على استقراره الداخلي، كما قال الرئيس سعد الحريري من عرسال الأربعاء الماضي. فمعركة «فجر الجرود» معركة وطنيّة بامتياز، كما وصفتها كتلة «المستقبل» في بيانها أمس الأول. أي أنّها معركة تلتزم المصلحة اللبنانية أولاً وأخيراً، على العكس من معارك «حزب الله» في سوريا أو على الحدود اللبنانية ـ السورية والتي تندرج في سياقات إقليمية لا تعني لبنان من قريب أو بعيد.

من هنا، يمكن الدخول إلى العنوان الثاني المهّم في كلام نصرالله أمس الأول، أي حديثه عن معادلة جديدة غير تلك التي روّج لها لسنوات وسنوات أي معادلة الجيش والشعب والمقاومة.. فبعد إضافة الجيش السوري على هذه المعادلة الثلاثية يكون نصرالله قد نسفها من أساسها، لأنّه أخرجها كليّاً من سياقها اللبناني، وذهب بمعادلته الجديدة إلى سياق إقليمي. أي أنّه أراد إلحاق لبنان بالمحور الإيراني السوري، على حد تعبير عضو كتلة «القوات اللبنانية» النائب أنطوان زهرا، الذي يشدد لـ «المستقبل» على أنّ المعادلة الحقيقية لـ «حزب الله» هي «النظام الإيراني، النظام السوري، وحزب الله»، بينما يرى علوش أنّها «ليست المرة الأولى التي يخرج بها نصرالله عن نصّ الثلاثية الخشبية، إذ سبق له أن وعد بفتح الأجواء لمئات الآلاف من المقاتلين من العراق واليمن وإيران وأفغانستان وباكستان إذا شنت إسرائيل حرباً على سوريا أو لبنان»!

لكن يبقى أنّ أبرز مفاعيل المعادلة الرباعية الجديدة والتي قد تصبح خماسية أو سداسية أو على عدد الميليشيات الإيرانية أو أيتام النظام في الداخل والخارج، هي أنّها «تضع الجيش والشعب اللبناني خارجها تلقائياً»، كما ورد في بيان تيار «المستقبل». فمن نوافل القول أنّ الجيش الذي رفض التنسيق مع الجيش السوري أو «حزب الله» في معركة «فجر الجرود»، وفق مبدأ «أخوض المعركة وحيداً أو لا أخوضها أبداً»، لن يكون في وارد التخلّي عن مهنيته وحِرفيته والتي حاز على أساسهما تنويهات دوليّة، للدخول في معادلات من هذا النوع ليس الغاية منها سوى جعل لبنان ساحة لنقل رسائل إيران وملحقاتها!