ليس قليلًا ما تغيّر في لبنان بقوة التحولات الإقليمية المتسارعة منذ “طوفان الأقصى” وما بعده. لكن نافذة الفرصة الضيّقة المفتوحة أمامنا لا تزال في جوار خطر واسع يعيد تذكيرنا بأن حروب إسرائيل لم تنتهِ، وحروب “المقاومة الإسلامية” بقيادة إيران لم تنته، وحروب أميركا لم تنته. حتى حرب لبنان الطويلة، فإنها لم تنته، ولو توقفت. لا بعد اتفاق الطائف الذي أسيئ تطبيق بعضه وعدم تطبيق بعضه الآخر، ولا بعد اتفاق الدوحة الذي كرّس سياسيًا ما فعلته “غزوة” بيروت العسكرية. أما الاتفاق على وقف الأعمال العدائية وتطبيق القرار 1701، فإنه خاضع لحرب “تفسير” النص الواضح بين “حزب الله” ومجلس الوزراء والأكثرية الشعبية تحت نار الحرب الإسرائيلية المستمرة. وأما الرفض القاطع لسحب السلاح على الرغم من خسارة الميدان جنوب الليطاني، فإنه مرتبط بما يتجاوز شمال الليطاني إلى الصراع في غرب آسيا.
والجدل مستمر حول كل شيء تقريبًا. وهو يتجدد بين فينة وأخرى حول كوننا في حرب على لبنان أم في حرب أهلية على السلطة أم في ما سماها غسان تويني “حرب الآخرين على أرض لبنان” أم في خليط من كل ذلك عنوانه حرب لبنان. لكن التحدي الجديد هو التوقف أمام ما يمكن أن يسمى سلام الآخرين على أرض لبنان. سلام تقود إليه حروب، ويفرضه الرئيس دونالد ترامب على العرب وإسرائيل وإيران وتركيا بدءًا من غزة ولبنان وسوريا والعراق واليمن وصولًا إلى طهران. لا أي حرب بل “أم الحروب” بين أميرکا وجمهورية الملالي في إيران. ولا أي سلام بل سلام أميركي تستعيد به واشنطن ” الباکس أميركانا”.
وليس غريبًا أن يتركز الاهتمام العربي والدولي على غزة وسوريا، وسط التركيز الإيراني على لبنان والعراق واليمن مقابل الاهتمام الأميرکي. الغريب هو أن نتجاهل الأسباب التي تجعل غزة وسوريا تسبقان لبنان الراكض وراء “میکانیزم” قليل الفاعلية فيما لغزة مجلس عالمي للسلام وإعادة الإعمار والاستثمار، ولسوريا سباق أميركي وروسي وصيني وأوروبي وعربي على ضمان وحدة الأرض والشعب وبدء مشاريع الاستثمار وإعادة الإعمار .
لكن جوهر اللعبة واحد، بصرف النظر عن تفاوت السرعات. فغزة موضوع فرعي من موضوع أساسي هو قضية فلسطين و “حل الدولتين” والذي هو بدوره جزء من موضوع أوسع اسمه الصراع بين مشروع إقليمي إيراني ومشروع أميركي فيه مكان للعرب وتركيا وإسرائيل عنوانه سلام الشرق الأوسط. وهذا ما ينطبق على لبنان وسوريا والعراق واليمن. وإذا كان سلاح “حزب الله” ورقة إيرانية في الحرب والتفاوض، فإن سلام لبنان ورقة أميركية إلى جانب كونه حقًا للبنانيين، وعند الحاجة ورقة في حرب.
وأخطر ما يحدث في رفض “حزب الله” تسلیم سلاحه للجيش والمغامرة بمواجهة حرب إسرائيلية مدمرة بحجة السلاح هو تفضيل الرهان على إنقاذ شيء من السلاح على إنقاذ لبنان وفي الطليعة بيئة “الحزب”. ومعنى ذلك ببساطة أن المشروع هو العمل من أجل “لبنان آخر”. وفي مثل هذه الظروف الحادة محليًا وخارجيًا، فإن الخيار محكوم بواحد من اثنين: إما سحب السلاح وتفكيك المنظومة العسكرية والأمنية خارج الشرعية، وإما تفكيك الدولة والبنية الاجتماعية والوطنية للبنان .
وما أكثر الدلالات في قول المرشد الأعلى علي خامنئي بعد كل ما جرى في حروب غزة ولبنان وإيران “إن حزب الله ثروة كبيرة للبنان ولغير لبنان، ولا ينبغي الاستهانة به”. ولا أحد يعرف إن كانت طهران قد وصلت إلى كونها محكومة بأن تضحّي بهذه “الثروة” وسواها وكل رصید النظام من خلال صفقة أو حرب مع أميرکا.
وأسوأ نموذج للسياسة هو تقليد موقف الرئيس ريتشارد نیكسون القائل :”المرء يستطيع أن يعيش بلا أصدقاء، ولكن ليس بلا أعداء”.