IMLebanon

ترميم مباني «اللبنانية»: الضرب في الميّت… حرام!

    

مباني كليات الجامعة اللبنانية في بيروت استُهلكت لدرجة لم يعد ينفع معها ترميم. بعضها يجري إخلاؤه لخطره على السلامة العامة، وبعضها الآخر يعاني مشاكل مزمنة، فيما كل المباني تحت رحمة متعهّدين يسلّمون أعمالاً غير مكتملة ولا يجدون من يحاسبهم

 

لا تنزل الأمطار «برداً وسلاماً» على مباني كليات الجامعة اللبنانية خارج مجمع الحدث الجامعي. لم تعد المشكلة في تصدعات الجدران وأعطال الحمامات والمصاعد والزجاج المكسور والنوافذ المخلّعة وانعدام بديهيات الوسائل والأدوات والتجهيزات المكتبية والمخبرية، بل في مبانٍ «استُنزفَت» إلى الحد الأقصى، وباتت محاولات ترميمها أشبه بـ«الضرب في الميت»!

مقالات مرتبطة

أخيراً… كلية التربية إلى خارج الفضاءات الطائفية علي خليفة

ففي كلية الآداب والعلوم الإنسانية، مثلاً، أُخلي أحد المباني أخيراً بعدما تسلمت رئاسة الجامعة تقريراً يؤكد وجود خطر جزئي وانعدام السلامة العامة فيه. وثمة توجه لنقل كلية التربية من الأونيسكو مؤقتاً إلى مجمع الحدث، لمدة 6 أشهر، في انتظار ترميم مبناها المتصدّع. وليس وضع مباني كلية الآداب والعلوم الإنسانية أفضل حالاً. فمبنى عمادة الكلية، في الدكوانة، لا يليق بعمادة ولا بكلية. إذ تشغل الطبقة الأرضية منه محالّ صناعية وتجارية، فيما تستخدم مطبعة خاصة إحدى طبقات المبنى. وضع البناء سيئ من الناحية الفنية، وقد رُمّم قسم منه منذ سنتين بلا جدوى. أما المباني الأربعة التابعة للفرع الأول للكلية، في كورنيش المزرعة، فلا تصلح أساساً لتكون كليات جامعية. إذ لا مواقف سيارات هنا، والواجهات تعاني من تصدع و«نشّ»، رغم محاولات الترميم المتكررة. فيما بناء كلية العلوم الاقتصادية وإدارة الأعمال – الفرع الثاني، في الأشرفية، متهالك، وحمّاماته شبه معطلة، ولا مواقف للسيارات. والأمر نفسه ينطبق على المبنى السكني الذي تشغله عمادة معهد العلوم الاجتماعية في الطيونة.

لا ينسحب الكلام بالتساوي على كل المباني. إلّا أنّ غالبيتها قديمة جداً ويعود تاريخ استئجارها إلى ستينيات القرن الماضي. أما ما استؤجر منها في فترات أقرب، فمشكلتها أنها مُصمَّمة أساساًَ مبانيَ سكنية، ويؤدي استعمالها لأغراض تعليمية إلى استهلاكها بسرعة أكبر، لكون أعداد من يؤمونها أكبر من أعداد سكان الشقق السكنية. وهناك قسم ثالث من المباني صُمِّم أساساً ليكون منشآت تعليمية لتأجيرها للجامعة اللبنانية. ورغم أن هذا القسم هو الأفضل بين المباني التي تشغلها الكليات حالياً خارج إطار المجمعات الجامعية، إلا أنها باتت قديمة جداً، وخضعت للترميم أكثر من مرة، وتعاني مشاكل مزمنة مع النشّ وقلّة الحمّامات، كما هي حال مباني كليتي التربية والإعلام – الفرع الأول في منطقة الأونيسكو.

 

شوائب الترميم

والواقع أنّ للمباني حكاية أكثر مأساوية مع مشاريع ترميمها. فإعداد ملفات التلزيم الفنية يستغرق أحياناً أكثر من ثلاثة أشهر، إضافة إلى الوقت الذي يستغرقه إجراء المناقصات وموافقة ديوان المحاسبة وإبلاغ المقاول. وهذا ما يؤخر، دائماً، أعمال الترميم نحو سنة وربما أكثر. وفي غضون ذلك، تكون قد طرأت أعمال كثيرة إضافية في المبنى نفسه وأضرار جديدة غير ملحوظة في دفتر الشروط الفنية الذي يصبح، بالتالي، غير مطابق للواقع الجديد. علماً أنّ النظام المالي في الجامعة الذي يخضع لنظام المحاسبة العمومية يسمح، بالحد الأقصى، بزيادة تصل إلى السدس في الصفقة نفسها. نتيجة ذلك، غالباً ما تكون جميع الأطراف غير راضية عن الأعمال. فالإدارات تحاول غالباً أن تدرج ما يطرأ من مشاكل جديدة ضمن مشاريع الترميم، رغم أنها غير موجودة أصلاً في دفاتر الشروط، والمقاول يرفض الاستجابة، والإدارة المركزية للجامعة تتعرض بكامل أجهزتها للانتقاد الدائم لأنها قامت بتلزيم أعمال غير مكتملة. أمام هذا الواقع، تعاود الكليات المطالبة بأعمال ترميم جديدة… وهكذا.

إلا أن للترميم وجهاً آخر تصفه مصادر الموظفين بـ«بيضة ذهب» المتعهّدين. ففي أغلب الأحيان يفوز المتعهّدون أنفسهم، وبعضهم يكون مقرباً من العميد أو المدير، بأكثر من مناقصة، وثمة تسريب دائم للسعر التقديري. أضف إلى ذلك غضّ الطرف عن شوائب الترميم وعدم محاسبة المتعهدين.

أعمال الترميم باتت بيضة ذهب لبعض التجار والمتعهدين

 

رئيس الجامعة فؤاد أيوب، من جهته، ينفي أن يكون هناك تسريب للسعر الذي تضعه الإدارة المركزية للجامعة، «علماً بأنّ المعلومة متاحة للجميع لكونها تحتسب على أساس احتساب كتاب الضمان ويجري تدوير الرقم». أيوب يُقرّ بأنّه نادراً ما تكون هناك وجوه جديدة تلتزم أعمال الجامعة، مشيراً إلى «أننا لا نستطيع أن نعرف ما إذا كان هناك اتفاق بين الشركات المتعهدة على قاعدة «مرِّقلي تمرِّقلك». لكنني أجزم بأنّ لجنة الإشراف على المناقصات في الإدارة المركزية شفافة، ولا أستطيع إلّا أن أثق بلجنة الاستلام الفني التي تواكب الأعمال وتتسلّمها فنياً». وعن علاقة المديرين بالمتعهدين، يقول أيوب إن هذا الكلام يندرج «في إطار الحكي اليومي المستهلك، وإن كان لا يمنع أن تكون للمدير أو العميد علاقات إنسانية ويستطيع أن يقول للمتعهد إنّ هناك مناقصة وينصحه بالمشاركة فيها». أما سوء الإدارة خلال عملية مراقبة التنفيذ، فهو ــ بحسب أيوب ــ خارج عن سلطة الإدارة المركزية للجامعة. ولفت إلى أن الكليات يجب أن تصرف 5% من الموازنة السنوية للصيانة الاستباقية، «وهذا لا يحصل عملياً».

 

 

مجمع عمودي في بيروت

مع إبداء الوكالة الفرنسية للتنمية رغبتها في تقديم الدعم للمشاريع التي تقوم بها الجامعة اللبنانية، كشف رئيس الجامعة فؤاد أيوب أنّ «لدينا مخططاً هندسياً مبدئياً لبناء مجمع جامعي عمودي يضمّ كليات بيروت خارج مجمع الحدث». الكليات لا تحتاج، بحسب أيوب، إلى أرض تبلغ مساحتها 200 ألف متر مربع، لكن يمكننا تشييد مبانٍ تضم طبقات مرتفعة بمصاعد. وإذ يقرّ بأنّ هناك مساحات في الحدث يمكن البناء عليها، «إلا أننا نراهن على رمزية بيروت، فالجامعة الوطنية والمدينة تستحقان مجمعاً جامعياً لائقاً يليق بآلاف الطلاب ومئات الأساتذة والموظفين».

 

رؤية لم تكتمل

المخطط التوجيهي للجامعة اللبنانية الذي وُضع في عهد حكومة الرئيس الراحل رفيق الحريري الأولى عام 1994، قضى بإنشاء مجمَّعي الحدث والفنار، بحيث يضم كل منهما عدداً من الكليات. وعلى هذا الأساس، بُنِيَ مجمع الحدث الذي لا يحوي جميع كليات الفرع الأول (حيث لا وجود لمبانٍ خاصة بكليات الآداب، الإعلام، معهد العلوم الاجتماعية، التربية…). وكان الطرح في حينه يقضي ببناء مجمَّع في الفنار يضم الكليات غير الموجودة في الحدث. لكن معارضة مبدأ التوحيد بين الفرعين الأول والثاني آنذاك قضت على هذا الطرح. مصادر جامعية تشير إلى أنّ الرؤية التي بُني عليها تصميم مجمع الحدث نُسفت، إذ أُعطيت الأولوية للكليات التطبيقية (كلية العلوم، كلية الهندسة، كلية الصحة وكلية الفنون وغيرها)، نظراً لأنّ المساحة لا تتسع لكل الكليات، وما حصل أن بعض الكليات بدأ ينتقل إلى هناك تباعاً من دون أن يكون ملحوظاً في المخطط، مثل كليتي إدارة الأعمال والصيدلة. مصادر أخرى أشارت إلى أن بعض الكليات التي بقيت في بيروت لها خصوصية، وكان مقصوداً إبقاؤها في العاصمة، ككلية الآداب والعلوم الإنسانية مثلاً، فيما طُرح في فترة من الفترات تجميع الكليات خارج الحدث في مجمع واحد يُبنى مكان ثكنة الجيش في الرملة البيضاء، إلّا أن هذا الاقتراح لم يصل إلى خواتيمه، وإن كان جدياً، بحسب البعض.