سامر كبّارة يكسر التزكية في «فرعية» طرابلس

     

نجاح تيار المستقبل في إعادة الوزير السابق أشرف ريفي إلى «بيت الطاعة»، لا يعني «انتهاء» الانتخابات الفرعية في طرابلس. فقرار ريفي التموضع من جديد خلف «كِبارنا» (كما وصف أول من أمس رئيس الحكومة سعد الحريري ورئيس الحكومة السابق فؤاد السنيورة)، لم ينسحب على غيره من الطرابلسيين، غير الراغبين في إعطاء النائبة السابقة ديما جمالي صكّاً أبيض في النجاح. أسماء المرشحين المحتملين التي تتردّد في الشارع الطرابلسي عديدة: يحيى مولود، طلال كبّارة، رامي شراقية، الزميل عمر السيّد (أعلن عبر «الفايسبوك» انطلاق حملة جمع مبلغ 8 ملايين ليرة لبنانية، الواجب دفعها لقاء تقديم طلب الترشيح)… إلا أنّ تعبير هؤلاء عن رغبتهم في الترشّح لم يبلغ بعد منحاه الجدّي، وسط قناعة لدى القوى الفاعلة في المدينة بأنّه مع اقتراب موعد «الفرعية»، سيكون القسم الأكبر من «المُرشحين» قد انسحب من السباق. عملياً، المُرشح «الجدّي» الوحيد (لغاية اليوم) في مواجهة تيار المستقبل، هو سامر كبّارة. الشاب البالغ من العمر 39 عاماً، ابن شقيق النائب محمد كبّارة، من «خرّيجي» 14 آذار 2005، وكان حتى الأمس القريب في الخندق السياسي نفسه مع الحريري (كتب في 5 تشرين الأول الماضي، على صفحته الرسمية على «فايسبوك» أنّ الحريري «قيمة مُضافة وطنية ورمز الاعتدال. أشيد بإرادته القوية من أجل التغيير، ورؤيته الوطنية، وروحه الشبابية»). كان ذلك، قبل أن يُعبّر خلال مؤتمر الصحافي أمس عن رفضه لـ«النهج» الذي تتبعه كلّ القيادات السياسية: «انتظرنا السياسيين 25 سنة، ولم يقوموا بشيء. 25 سنة من دون أي مشروع إنمائي، واستخدام المناطق الشعبية لأهداف سياسية»، موضحاً أنّ ربع القرن لا يقصد فيها عمه النائب «أبو العبد» وحسب، كما فهم العديد من الحاضرين، بل كلامه يشمل جميع السياسيين. بالمناسبة، المرشح يتحدّث عن علاقة جيّدة تجمعه مع مختلف الفعاليات، فبالنتيجة «كلّنا عيلة وحدة. معركتنا مش سياسية، معركتنا إنمائية». يتناسى كبارة أنّه يخوض معركة «نيابة» وليس «بلدية»، ما يعني أنّ العزف على نغمة إبعاد السياسة عن الانتخابات، حرصاً منه ربّما على عدم استفزاز جمهور الأحزاب، غير منطقي. ولكن، كلامه يُشكّل أفضل ردّ على الأمين العام لتيار المستقبل أحمد الحريري، الذي يريد أن يكسر حزب الله، حليفه في الحكومة المُسماة «وحدة وطنية»، انطلاقاً من «فرعية» طرابلس. وردّ كبارة على أحد الأسئلة بالقول: «جايين يعملوا معارك وهمية، تحت عناوين سياسية».

 

وقف سامر كبارة على باب القاعة حيث سيعقد مؤتمره، يُصافح القادمين، مُحاطاً بأصدقائه. لم يستطع إخفاء توتره. «هي المرة الأولى التي أقف فيها على منبر»، يقول. ليس هذا وحسب، بل يواجه الرجل منذ إعلانه ترشحه، ضغوطاً عدّة، أولها من داخل العائلة غير «المُبارِكة» لهذه الخطوة. عند السادسة مساءً، اعتلى المسرح، فعاجله أحدهم بالصراخ: «معركة لا للتزكية». في هذه الجملة، «لُبّ» قصّة ترشّح كبارة، الطامح من خلال «الفرعية» إلى أن يضع الحجر الأساس لمستقبله السياسي، ليكون المُنافس الأول لابن عمّه كريم محمد كبارة. شعار الحملة هو «لأجل طرابلس»، ومنه استوحى سامر عناوين اجتماعية – بيئية – اقتصادية، هي مطلب «حركة المحرومين» المؤلفة من معظم أبناء الفيحاء. لم يشذّ في ذلك عن «تقليدية» الخطاب لكلّ المرشحين، أكانوا أركان الدولة أم من يُطلقون على أنفسهم توصيف «المجتمع المدني». فسامر تحدّث عن سياسة التهميش التي تُعاني منها طرابلس، عن الفقر والمياه الملوثة وانعدام الأمن الغذائي والبيئة غير النظيفة وعدم تخصيص موازنة لطرابلس أو شملها في التعيينات. ألقى باللوم على «السياسيين التقليديين الذين لم يُغيروا المنهجية المُعتمدة». وعوض أن يُطالب كبارة بتعزيز دور الدولة، وقيامها بواجباتها الخدماتية تجاه طرابلس، وجد أنّ الحلّ الأمثل لتعويض غياب السياسيين هو في الحصول على خدمات من «منظمات المجتمع المدني والدول المانحة، والحصول على خدمات من مؤتمر سيدر». يريد أن تعود طرابلس «عاصمة ثانية»، وأن يكون للطرابلسيين تمثيل في المراكز الرسمية، فهم «مش طالعلن شي. حتى المشاريع البلدية، ما عم يعملوها الطرابلسيين». قدّم كبارة الكثير من الشعارات «الشعبوية» من دون أي خطة عمل لكيفية تطبيقها، ولكنّه قال إنّ «البرنامج سيُعلن خلال يومين».

ظهر سامر كبارة في مؤتمره متناقضاً مع نفسه. فمن جهة يقول إنّ معركته «إنمائية» وليست سياسية، ومن جهة ثانية يُبرّر ترشيحه بأنّه «انتفاضة ضدّ الطريقة التي يجري التعامل فيها مع طرابلس»، وتحديداً كيفية إعادة ترشيح جمالي، التي «لا تعرف طرابلس». يوحي ذلك بأنّه لم يكن ليترشح، لو اختار تيار المستقبل أي شخصية أخرى. كذلك فإنّه لا يُمكن كبارة أن ينسى مُشاركته في الانتخابات النيابية الأخيرة، في «ماكينة» عمّه النائب، وهو الذي لم يُطلق «صرخته» التغييرية إلا قبل أيام قليلة، في وقت أنّ واقع المدينة المأزوم يعود إلى سنوات طويلة. يُضعف ذلك حجّته التي يطلّ بها على الجمهور. ولكنّه يردّ بأنّه «ما كنا انتفضنا، وما كان لدينا مشكلة معهم، لو كانت حقوق طرابلس مؤمنة». يعي جيّداً أنّه «ما رح شيل الزير من البير»، إلا أنّه يعد بأن يكون «صوتاً صارخاً وأراقب عمل الحكومة»، وذلك في حال الفوز، لكون «حظوظ الربح في هذه الانتخابات صعبة».

تعدّدت الهويات السياسية للمُشاركين في المؤتمر الصحافي، من دون أن يعني ذلك تخلي كل منهم عن تموضعه. انتقاد كثيرين كان مُصوباً، بشكل أساسي، تجاه أشرف ريفي. هناك عتب ممّن كانوا جنود معركته، «ولم يستشرنا في قراره» مصالحة الحريري. برأيهم، إنّ ريفي «خسر كثيراً» بانسحابه من المعركة الانتخابية لمصلحة تيار المستقبل. المعلومات السياسية في طرابلس تؤكّد أنّ ريفي «تواصل مع الوزير السابق رشيد درباس عارضاً عليه انسحابه من المعركة مقابل انسحاب جمالي». أما الضغط على وزير العدل السابق «لدفعه إلى القبول بالصفقة كما يريدها تيار المستقبل، فقد حصل من السعودية والإمارات، حيث إنّ أحداً لم يكن مُستعداً لتمويل معركته الانتخابية». ومع كلّ الأبعاد «المحلية» للانتخابات الفرعية في طرابلس، «لا يُمكن عزلها عن السياق العام، وشغل الولايات المتحدة الأميركية والسعودية من أجل تجميع المكونات السابق لـ14 آذار، في مواجهة حزب الله. لذلك، ليس من المصلحة التلهي بمعركة جانبية كالانتخابات الفرعية». وبينما تتنوع المعلومات حول «المقابل» الذي حصل عليه ريفي، «بين تسوية أعمال خاصة»، أو انتزاع «وعد بدعمه في المرحلة المقبلة»، تنفي أوساطه ذلك، «مصلحة طرابلس والحاجة إلى التوحد في مواجهة المرحلة المقبلة، حتّمتا هذه الخطوة».