IMLebanon

الرياض لباريس: نستقبل الحريري رئيساً لحكومة موثوق بها

   

 

لأن لا حكومة في مدى قريب في ظل العناد المتبادل، يوحي أيّ موقف دبلوماسي رفيع المستوى، وخصوصاً عندما يصدر عن دولة مؤثّرة معنيّة بالداخل اللبناني، بأنّه أشبه بماء ساخن يُسكب على جثّة باردة

 

فتح الموقف الأخير للرياض بلسان وزير الخارجية فيصل بن فرحان، الأحد 4 نيسان، باب التكهن في تفسيره وتوقيته، أكثر منه تحريكه المأزق الحكومي المجمّد ويدخل بعد أقل من أسبوع في شهره الثامن. لا تزال القطيعة بين رئيس الجمهورية ميشال عون والرئيس المكلف سعد الحريري قائمة، والأفكار المتداولة المتداخلة فيها أدوار رئيس البرلمان نبيه برّي ووليد جنبلاط وسفراء دول كبرى معنيّة بالأزمة تراوح مكانها، فلم تُحلّها مبادرة متكاملة لافتقارها الى تأييد الفريقين المعنيين بها، وهما عون والحريري.

 

الجديد في موقف الوزير السعودي توقيته أكثر منه مضمونه. إلا أن إعادة تأكيد المحتوى في ذروة المأزق تجعله الى حد جديداً. في لقاءاته مع أكثر من فريق لبناني ومرجعية دينية، سُمع السفير وليد البخاري يؤكد وجهة نظر المملكة المتمحورة حول موقفين أساسيين: أولهما أن رأيها وتعاونها مع الحكومة يلي صدور مراسيمها وتحققها من أنها مؤهلة للثقة بها، وهي إشارة ضمنية الى رغبة الرياض في عدم إبصار حكومة لرئيس الجمهورية وحزبه نصاب موصوف ولحزب الله نفوذ مباشر أو غير مباشر. ثانيهما، أنها معنيّة بالحكومة ككل وليس برئيسها أيّاً يكن. لا مرشح لها، ولا تزكّي أحداً أو تعاديه، ولا موقف لها من ترؤس الحريري لها أو عدم ترؤسه.

استناداً الى هذين المعطيين المعلومين لدى المسؤولين والأفرقاء اللبنانيين، لا يسع موقف الرياض تحريك المياه الراكدة، والصائب هو الآسنة، في ظل المقاربة الحالية للطبقة السياسية للانهيار المقبل على البلاد. بيد أن لموقف ابن فرحان قراءة جديدة يفترضها الحدث الذي سبقه، وهو الاتصال الهاتفي بين الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ووليّ العهد السعودي محمد بن سلمان. إذذاك يحتّم الموقف القديم مراجعة جديدة طبقاً لبضعة معطيات:

1 – وردت معلومات بأن باريس طلبت من الرياض مؤازرتها في تقديم هذا الموقف مجدداً بغية الضغط على الأفرقاء اللبنانيين. بذلك انبثق كلام الوزير السعودي من تفاهم العاصمتين على تذكير القوى الداخلية المؤثّرة بتعهداتها، لكن أيضاً بنبرة عالية على نحو ما فعل ماكرون عندما حضر الى بيروت مرتين في آب وأيلول المنصرمين، وأنّب القيادات اللبنانية. بنبرة مماثلة غير معهودة في لهجة المخاطبة تتوسّلها المملكة، دان ابن فرحان الطبقة السياسية اللبنانية برمّتها، من دون استثناء أحد، لكن أيضاً من غير إغفال التوجه الى حزب الله خصوصاً وتحميله مسؤولية مضاعفة.

 

تواصل متقطّع غير معلن بين الحريري والبخاري الذي أطلع الرئيس المكلّف على نتائج اجتماع بعبدا

 

 

2 – ليست الرياض في وارد التعامل مع الأزمة الحكومية كما لو أنها تخوض معركتها. ليست حتماً في وارد الانخراط في معركة دعم وصول الحريري الى رئاستها، على غرار ما حدث للمرة الأولى عام 2009 ولم يتكرر مذذاك. موقفها المعلن، غير المبالي بمَن يترأّسها، جعلها تتصرّف كأنها على الحياد، تراقب جهود التأليف من الشرفة ليس إلا. قادها ذلك الى التأكيد لباريس، بعد إلحاح هذه، أنها مستعدة لاستقبال الحريري في المملكة عندما تصدر مراسيم الحكومة الجديدة على النحو الذي يطمئنها إليها ويجعلها موثوقاً بها.

فحوى هذا الموقف، في ظل استمرار رفض استقبال الرئيس المكلف في السعودية منذ أشهر طويلة، أن الحكومة المأمولة للسعوديين، المنسجمة مع شروطها، تفسح في المجال أمام فتح الأبواب الموصدة في وجه الرجل على أنه «رئيس حكومة لبنان» وليس «ولدنا» مذ اكتسب الرئيس رفيق الحريري هذه الصفة إبّان حقبة الملك فهد، ثم ورثها عنه خلفه سعد إبان حقبة الملك عبد الله، الى أن تبخرت تماماً في حقبة الملك سلمان.

واقع الأمر أن تمييز «ولدنا» عن «رئيس حكومة لبنان» لا يعدو كونه وهمياً، غير ذي أهمية، وهو في الأصل واهٍ. فالحريري الابن الآن، كالحريري الأب في ما مضى، سعودي الجنسية، لا يسع المملكة سوى التعامل معه على أنه أحد رعاياها يخضع لقوانينها وأعرافها أينما كان أو حلّ أو وصل. ربما تعبّر عن هذه الحال واقعتان متباعدتان، لكنهما مهمتان أُخضِع إليهما الأب أولاً، ثم الابن على نحو متباين بفارق عقود، تبرز بما لا يقبل الشك الأولوية التي تعني المملكة دون سواها:

أولى الواقعتين: يوم منح الحريري الأب الجنسية السعودية، تنازل عن جنسيته اللبنانية، عملاً بالأحكام القانونية الصارمة في المملكة. لذا لم يسعه تبوّء رئاسة الحكومة اللبنانية للمرة الأولى عام 1992 ــــ وكان متخلّياً عن الجنسية اللبنانية ــــ إلا بعد حصوله على إذن ملكي يسمح له، هو السعودي الجنسية، بتسلّم منصب رئيس الحكومة اللبنانية. سابقة كهذه لم يعرف لبنان، ولا سواه في بلدان الكوكب، نظيراً لها. حتى ذلك الوقت، لم يعرفه اللبنانيون سوى كونه وسيط المملكة في الأزمات اللبنانية المتتالية.

ثانية الواقعتين: يوم احتُجز الحريري الابن في الرياض في تشرين الثاني 2017 كان يُخضَع لإجراء بصفته مواطناً سعودياً تطبّق عليه قوانين المملكة، مع أنه رئيس الحكومة اللبنانية. حينذاك أُجبِرَ من مقر الإقامة الجبرية في الرياض على تقديم استقالة حكومته، كي يمسي هناك مجرد مواطن سعودي عادي ليس إلا، فاقد الحصانة الدولية بصفته الرسمية تلك، عرضة للمحاسبة والمساءلة. إلا أن تسارع الاحداث وتدخّل باريس على عجل أنجده، كي يعود الى البلاد ويهدر في ما بعد كل ما تبقّى لديه في السعودية، باستثناء الجنسية هي آخر ما تبقى له عندها.

3 – خلافاً لكل ما يشاع عن قطيعة مطبقة بين الحريري والسفير السعودي، فإن بعض المعلومات المستقاة من زوار البخاري تشير الى تواصل متقطع بينهما، لم يرقَ بعد الى العلانية، وقد لا يرقى قبل صدور مراسيم الحكومة الجديدة طبقاً للموقف السعودي المعروف. ما يسري همساً في أوساط واسعة الاطلاع أن البخاري أعلم الحريري بنتائج اجتماعه برئيس الجمهورية في 23 آذار، ولم يتّسم بالإيجابية التي أوحى بها قصر بعبدا، إذ طبعته لغتان متباعدتان من غير أن تتنافرا في اللقاء: حصر رئيس الجمهورية كلامه بالمأزق الحكومي، فيما أسهب السفير في الكلام عن أزمة اليمن، ثم أصرّ على أن يتولى الوزير السابق سليم جريصاتي الذي حضر الاجتماع تدوين الفقرة المتعلقة بتداولهما في موضوع اليمن.