IMLebanon

انقاذ لبنان بعملية جراحية تستأصل هدر مليارات الدولارات

 

يشبه سياسي لبناني من خارج الطبقة السياسية الحاكمة الواقع المأزوم الذي وصلت اليه البلاد، بمريض «السرطان» الذي تتم معالجته بحبات «الاسبرين» بينما انقاذ هذا المريض يحتاج الى العناية الفائقة واللجوء الى احدث العلاجات لقتل «السرطان» الذي يصيب الشخص المريض، وليس قتل الشخص نفسه.

 

لذلك، ما هي الاسباب والمعطيات التي دفعت بالسياسي المذكور لتوصيف الواقع السياسي والاقتصادي والمالي والحياتي في البلاد، بانه بات اشبه بمريض «السرطان» الذي يحتاج الى علاجات استثنائية للدخول في مرحلة الشفاء؟

 

يتوقف السياسي المعني عند مجموعة واسعة من الامراض المزمنة التي تضرب في عمق النظام السياسي، ومعه كل وزارات ومؤسسات الدولة ومرافقها العامة، بحيث يشير الى وجود عدد من المعضلات المستعصية التي ادت الى تعرض بناء الدولة الى ما يشبه مرض «السرطان» وابرز هذه المعضلات الآتي:

 

– تعفّن النظام السياسي القائم على المحاصصة الطائفية والمذهبية، من اصغر التفاصيل الى اكبرها، وعلى كل المستويات بحيث بات تمسك كل جهة او فريق سياسي بمكاسب حزبه وطائفته على حساب الدولة، ينتح عنه المزيد من الضعف في عمل الدولة، ومزيد من الارتهان للعاملين فيها بحسب ولاء كل شخص والفريق الذي يغطي له ما يقوم به في وظيفته.

 

– غياب الرؤية المتكاملة من جانب الحكومة والمعنيين بعملها، فرغم وصول البلاد الى حافة الانهيار في المجالات الاقتصادية والمالية الخ… فالحلول المطروحة على الصعيد الحكومي، هي اشبه بمسكنات موضعية لا تلبث ان يزيل مفعولها، حتى في حال تنفيذ الاقتراحات المدرجة في الموازنة وخارجها.

 

– غياب الاستعداد من جانب الطبقة السياسية اولاً، وكثير من القطاعات الخاصة والرسمية التنازل عن حد ادنى من الارباح الكبيرة، او عن جزء من العطاءات المضخمة التي اعطيت لهؤلاء، اما لغايات سياسية من جانب المعنيين، واما تحت وطأة امور اخرى، دون احتساب المردود السلبي لهذه الفوضى والهدر في المال العام على الواقع المالي والاقتصادي لاحقاً.

 

وعلى هذا الاساس، يلاحظ السياسي المعارض ان معظم الاقتراحات المدرجة في مشروع الموازنة هي اقتراحات ايجابية، ان كان هو مقترح من دعوة بعض القطاعات خاصة المصارف للمساهمة ولو بجزء متواضع لتخفيض العجز، وان ما هو مقترح من خطوات لوقف الهدر والفوضى في صرف المال العام، بدءاً من اعادة النظر بالرواتب الخيالية والتقديمات الاخرى المضخمة والاستفادات المالية المفتوحة لالاف العاملين في الدولة من ابواب الهدر والانفاق غير المحدد بقوانين.

 

لكن السياسي المذكور يؤكد في الوقت نفسه ان العلاجات الفعلية والعملية للحؤول دون الذهاب نحو الانهيار، ولو ادت بعض الاجراءات الى تأجيل الوصول الى هذه الخيارات الصعبة تعترض وتتغلب اجراءات الطرف المصدر في بلد المشروع اعد فواتير لمصلحة المستورد باقل من ثلث الاسعار الفعلية، والامثلة على ذلك بعشرات الالاف حول ما يحصل من تهرب ضريبي.

 

– ثانياً: عدم التعاطي بحد ادنى من الجدية مع عشرات القضايا والبنود التي تدر على الخزينة مئات مليارات الدولارات، والتي تبدأ بضرورة اعادة النظر بالضرائب المتوجبة على المخالفات البحرية وعلى المعتدين على الاملاك العامة النهرية والبرية وعلى ما حصل سابقاً من اعفاءات لشركات كبرى مثل سوليدر، او ايجار الاف العقارات والمرافق العائدة للدولة باسعار متواضعة او رمزية، مثل العقارات في بيروت وضواحيها، او مغارة جعيتا والعديد من المرافق المماثلة.

 

وخطوات أشمل واكثر مردوداً على الخزينة تشتمل بالاولويات على الاتي:

 

– اولا: وقف كل انواع التهرب الجمركي والضريبي بكافة انواعه، في المرافق والمؤسسات العامة، ومن جانب القطاع الخاص، خصوصاً ان كثيرين اعترفوا بوجود «دفترين» للتهرب من الضرائب، كما ان كل المسؤولين في الدولة على معرفة كاملة بما يحصل من تحايل لتخفيض الرسوم الجمركية الى نسب بسيطة، في مقابل الاسعار الفعلية لما يتم استيراده من الخارج وعملية التلاعب تحصل في احيان كثيرة من الشركات والجهات المعنية في البلد المصدّر قبل وصول البضائع والمواد المستوردة الى لبنان، فهناك مثلا احد التجار استورد بضائع بما يزيد عن مليوني دولار، لكن في عشرات البنود المماثلة، والخطوة الاخرى التي تحتاج لبعض الوقت وتقع تحت عنوان ضرورة اعادة النظر بجدوى الابقاء على عشرات المؤسسات والمرافق العامة التي تصل الى ما يزيد عن 90 مرفقاً ومؤسسة عامة، الى جانب اعادة النظر بالحجم الكبير للعاملين في وزارات ومؤسسات واجهزة مختلفة، ما ينتج عنها صرف مئات المليارات سنوياً، في وقت يمكن تخفيف هذه الاعداد الضخمة، وما ينفق عليها من اموال تفوق قدرة الدولة والخزينة على التحمّل.

 

– ثالثاً: اعتماد الضريبة التصاعدية، بدل اللجوء الى الضرائب غير المباشرة التي تطال الطبقات الفقيرة والمتوسطة بنفس النسبة التي تصيب الاثرياء، الى جانب اعادة النظر بالكثير من القوانين التي تبقي مردود الكثير من الخدمات خارج الموازنة مثل محاضر السير، او ارباح عدد من المؤسسات والمرافق العامة، وابواب اخرى تصب في نفس الاتجاه.

 

لذلك يخلص السياسي المعارض الى القول ان اي اجراءات لا تنطلق من رؤية شاملة، وتقتصر على بعض الاجراءات الموضعية والمؤقتة لا يمكن ان تؤدي الى تفادي خطر حصول انهيار حتى ولو ادت الاجراءات المطروحة اليوم الى الحد قليلاً من الهدر وتحسين مردود الخزينة الى تأجيل الحلول الفعلية للازمة القائمة.