IMLebanon

أصوات مبعثرة للبيع…

ليس من عاقل يغفل عن كون القوى الكبيرة التي تعرض مشاريع قوانين الانتخابات، إنما تدرس الأمر من زاوية مصالحها. وفي حالة الضغط، تحسب حساب قوى أخرى، لكن من فريق السلطة نفسه. وبالتالي، ليس علينا توقع خروج قانون للانتخابات يناسب آخرين، باتوا يضيقون ذرعاً بكل السلطات المتعاقبة على إدارة البلاد.

لكن، مهلاً، وكي لا نصاب بالعمى، فإن حجة هذه القوى قوية، وهي أن معظم الناخبين اللبنانيين، إنما يتوجهون صوب صناديق الاقتراع ويصوّتون للوائح السلطة. بينما تصوّت أقلية لمرشحين منفردين من خارج السرب، وتقاطع أقلية أكبر الانتخابات كلها. وفي كل مرة، لا يحتسب أحد قوة المقاطعين أو المصوّتين سلباً.

في حال افترضنا أن الواقع يقول باستحالة حصول تغيير جوهري وشامل الآن، فإن الواقع يقول لنا إن أصحاب المصلحة في قانون انتخابي مختلف إنما يمثلون، على الأقل، نحو عشرين في المئة من المسجلين على لوائح الشطب. إذ يمكن ببساطة الاستنتاج أن الأعضاء الناشطين في الأحزاب والقوى العلمانية المطرودة من جنة المجلس النيابي، يمثلون أكثر من خمسة في المئة من الأصوات، بينما ينخرط نظراء لهم في التحالفات القائمة، ويقدمون أكثر من خمسة في المئة من الأصوات على مستوى لبنان، وهذا يعني أن عشرة في المئة من أصوات غير الطائفيين تذهب هدراً. فيما يمكن التوقع، ببساطة، واستناداً الى دراسات علمية في كل البلدان التي اعتمدت قوانين انتخابية عادلة، أن نصف الممتنعين عن التصويت، على الأقل، سيشعرون بأن لصوتهم فائدة. هذا يعني أن عشرة في المئة على الأقل من هؤلاء، سيشاركون في الانتخابات، ما يعني أن نحو عشرين في المئة من الناخبين سيكونون أحراراً في اختيار الترشيح وفي التصويت.

سيخرج من يقول لنا إن هذه الأعداد مبالغ فيها، وإن القوى غير الطائفية لا يمكنها أن تجذب هذا القدر من الأصوات. وسيعودون الى نتائج الانتخابات السابقة، ليجمعوا أصوات المرشحين المنفردين أو ضمن اللوائح من هذه القوى، حتى يقولوا لنا إن النسبة لا تتجاوز الخمسة في المئة.

حسناً. لنفترض أن الجانبين لا يقولان الحقيقة. لا قوى السلطة النافذة، ولا المعترضين من غير الطائفيين، فما الحل؟

ببساطة، الحل يكون من خلال القوانين نفسها. أي أن يعاد العمل بالقانون الأساسي لتسجيل القيد في لبنان، والذي يمنع إضافة خانة المذهب أو الطائفة للفرد عند ولادته، ويترك له، حتى سن النضوج، أن يقرر ما هو مذهبه وما هو دينه. وفي حالتنا هذه، على وزارة الداخلية، وبناءً على قانون عاجل وواضح، دعوة المواطنين الى ممارسة حق شطب مذهبهم عن السجلات، ويفتح الباب أمام اللبنانيين، خلال مهلة زمنية محددة بثلاثة أشهر مثلاً. وبناءً عليه، يصار الى تنظيم لوائح الشطب من جديد. فيكون هناك الناخب المنتمي بإرادته الى طائفة أو مذهب، وهناك الناخب الذي لا ينتمي، بإرادته أيضاً، الى أي مذهب أو دين.

في هذه الحالة فقط، سيكون أمام الجميع، من السلطة ومن المواطنين، صورة علمية، تفيد بحجم الأفراد الذين لا ينتمون الى طائفة، أو الذين قرروا أنهم «لا طائفة». وبآلية احتساب بسيطة، يمكن قسمة عدد الناخبين على عدد النواب، ويكون عندها لفئة «لا طائفة» العدد المفترض أو المستحق لهم من النواب. ويصبح من حق هؤلاء المطالبة بصندوقة اقتراع خاصة بهم، توضع الى جانب صناديق الاقتراع الخاصة بالمنتمين طوعاً الى طوائفهم.

لكن سيقال لنا: وعلى أساس أي قانون ستنتخبون؟

عندها، سيكون واضحاً لقوى السلطة أن أبسط قواعد العدالة تفترض أن يكون هناك قانون يتيح لجميع المواطنين الحصول على حق الترشح وحق الانتخاب. وهذا يعني حاجتنا الى النسبية كحد أدنى، واعتماد الدائرة الواحدة أيضاً. لأن في هذا ما يحفظ حق غير الطائفيين ولا يحرم الطائفيين من حقهم. أما لمن يريد قانوناً سهلاً وعملانياً يحقق هذا الأمر، فما عليه سوى العودة الى الاقتراح المقدم من حركة «مواطنون ومواطنات في دولة» الذي أعلن عنه الأمين العام للحركة شربل نحاس، وهو عرضه مفصلاً لأبرز القوى في البلاد، وللرئيسين ميشال عون ونبيه بري أيضاً.

هل يمكن تحقيق الأمر من خلال التمنيات والبيانات فقط؟

طبعاً لا، وهذا هو الاستحقاق الأهم لمن يعتبرون أنفسهم ضمن خانة «لا طائفة»، إذ لا يمكن لأحد أن يكترث لهم، إلا متى شعر هذا الأحد، أي أحد، بأن هذه القوة جدية وفاعلة. وهذا يتطلب نقاشاً من نوع مختلف، عند من يملك القول والفعل عند هذه المجموعات، وعليها ببساطة أن تترك جانباً، ولو لشهور قليلة، كل أنواع أمراضها الفردية والنفسية والقيادية والتنظيمية، وأن تنخرط في معركة شطب المذهب، وأن تجد طريقة لعرض عضلاتها في الشارع، نعم في الشارع، حيث الممر الإلزامي لكل من يسعى الى جذب الناس نحو تغيير لا مفرّ منه… وفي حال فشل هذا التحدي، سنكون، جميعاً، مجرد أصوات مبعثرة، ومعروضة للبيع في سوق النخاسة الطائفية!