IMLebanon

شيعة جبيل وشرعية التمثيل

 

على عتبة الإنتخابات النيابية، لا تشذّ جرود جبيل عن غيرها من المناطق اللبنانية. لكنّ التوزيع الطائفي للمقاعد النيابية لا يترك لشيعة جبيل هامشاً واسعاً. فالمقعد الوحيد الذي يحتله النائب الحالي يبقى رهن التوافق بين الثنائية الشيعية والتيار الوطني الحر، كون الغالبية المسيحية هي التي تفرض إسم الفائز، باعتبار أن الصوت الشيعي يشكّل نسبة ضئيلة ضمن دائرة كسروان جبيل.

 

وبالتالي، لا هامش فعلياً لتخطي التوافق أمام أي مرشح مستقل، ما دامت الأغلبيات ملتزمة بتيارات وأحزاب السلطة. وهذا أمر يعيدنا إلى المربع الأول، وهو اختيار المرشح والتوافق عليه داخل البيت الشيعي أولاً، لفرضه في بازار الترشيح على الحليف القوي.

والمعلومات المتوافرة تشير الى ان النائب الحالي أصبح عبئاً على الثنائية الشيعية، ما دام تماماً خارج سياق الحالة الشعبية لشيعة جرود جبيل، وهو يدور تماماً في الفلك العوني حتى عندما تتضارب مصالح من يفترض به تمثيلهم مع جمهور الكتلة التي ينتمي إليها. ولا يغيب عن البال أن واقع الشيعة في بلاد جبيل بالغ الحساسية، ويتخطى بمرات حدود التهميش والإهمال، وهو مشترك بين مكوّنات كبيرة في المجتمع اللبناني، إلى الشعور بالغبن واليتم التاريخي، وهو يتم قد يصل إلى حدود الإلغاء الوجودي تحت مسمّيات الخروقات العقارية. علماً أن تحقيقاً تاريخياً محايداً سيفضي إلى حقيقة مفادها أنّ ما ارتكب من مظالم تاريخية، عبر عقود متعاقبة، يدخل في إطار عمليات نصب واحتيال وإكراه أدت إلى واقع لا يمكن معالجته بمعادلات هندسية جافة. وهو ما يلزم الثنائية الشيعية بالتعامل الجديّ والدقيق مع عمليّة تحوّل تأخذ في الإعتبار رغبات الناس وحاجتهم إلى من يمثلّهم فعلاً ويحمل همومهم وتطلعاتهم للحقبة المقبلة. وهو أمر لو قامت به الثنائية بإتقان من شأنه أن يزيح كمّاً كبيراً من التوترات التي تسيء بالفعل إلى اللحمة بين المكوّنات الطائفية وتعيد نسج الروابط المناطقية والوطنية. فجرود جبيل، بالواقع الذي تعيشه، تبقى خاصرة رخوة ومادة للمزايدات الإعلامية والتجريح العائلي والمذهبي، كما في آخر تغريدة للنائب فارس سعيد الذي طالب فيها حزب الله بالنأي بالنفس عن بلدة لاسا.

يحق لشيعة جبيل الإدعاء أنهم في أصل الإنتشار الشيعي في أرجاء واسعة من الوطن اللبناني، ويحق لمن تبقى منهم في أرضهم التاريخية أن لا يخافوا على مصيرهم، ويحق لهم أيضا أن يختاروا من يمثلهم في الحلقة النيابية، وأن لا يتحملوا وزر التوافق على حساب مصالحهم كما حصل في الجولات الإنتخابية السابقة. وهذه رسالة يجب على المعنيين دراستها بتمعن. فالشخصية التي ينبغي أن تتصدى للشأن العام في محيط بالغ التعقيد يجب أن تكون ملمّة بتعقيدات الوضع، وذات وزن وثقل إجتماعي، وذات خبرة وممارسة على الأرض. أمّا أي عملية إسقاط فستكون محكومة بالفشل. فلسنا أرقاماً في جداول الشطب المذهبي أو في بورصة العرض والطلب في لعبة المحاصصات أو جوائز ترضية. جرود جبيل كانت، ولا تزال، منبع المقاومين تاريخاً وحاضراً، ومثال الوطنيين اللاطائفيين، وبؤرة تطمح للتقدم والمشاركة في بناء وطن يشبه هذه القلاع التي مات الزمن على أعتابها وبقيت. وعلى الثنائي الشيعي، في إعادة هندسته للبيت الداخلي، الأخذ في الإعتبار أنّ الزمن يسير إلى الأمام، وأننا بلغنا سن الرشد، وأنّ أي محاولة لتهميشنا في صنع القرار هي بحدّ ذاتها عملية إلغاء للمشاركة الفعلية في الإنتخابات النيابية القادمة، وهو ما لا يرغب به عاقل. وحدها دراسة متأنية للأرضية تكفل تمثيلاً صحيحاً، وهو ما يتناسب أيضا مع الشريك الإنتخابي. فمرشح قوي له حيثيته على الأرض أكثر فعالية، في المهمات الصعبة، من مرشح لا يعرف الناس ولا تعرفه الناس. وليس أوضح من ذلك.