IMLebanon

السنيورة يطبق قبضته على دار الفتوى: الأمر لي مجدداً

إنّها الصاعقة.. هكذا وصف المتابعون تعيين مفتي الجمهوريّة 8 أعضاء في «المجلس الإسلامي الشرعي الأعلى»: الدكتور عمر مسقاوي، المفتي الشيخ سليم سوسان، المفتي الشيخ خالد الصلح، القاضي الدكتور سهيل بوجي، الدكتور رضوان السيد، المحامي محمد المراد، القاضي اياد بردان وفيصل سنو.. حتّى صار أكثريّة الأعضاء فعلياً هم «رجال فؤاد السنيورة» في ميدان دار الفتوى.

فرض رئيس «كتلة المستقبل» إيقاع عمله داخل «عائشة بكّار»، حيث باتت «أذرعه اليمنى» تمسك بالقرار، حتى قيل إن السنيورة لم يقتنص من حصّة خصومه وحلفائه وحسب، وإنّما قرّر أيضاً أن يغرف من «الصحن الأزرق»، حتى كاد الرئيس سعد الحريري أن يخرج «من المولد بلا حمّص»، بالرغم من كونه لم يهتمّ كثيراً بمعركة دار الفتوى منذ سنوات.

ولو لم تقف «الستّ» في وجه «حاكم الظلّ» في دار الفتوى، لما كان للنائبة بهيّة الحريري حصّة مؤلّفة من 3 أعضاء في «الشرعي» مقرّبين منها، بالرغم من أنّ السنيورة يشاطرها فيهم أيضاً، على اعتبار أنّ بعضهم مقرّب منه أيضاً. تماماً كما غضب الرئيس تمام سلام بعد خسارة المرشّح المقرّب منه محمّد فرشوخ لصالح المرشّح المنفرد المقرّب من «الجماعة الإسلامية» راشد طقوش، ليعوّض عليه دريان بعضو مقرّب منه في «الشرعي» هو فيصل سنو.

في المحصّلة، «المجلس الشرعي» صارت الكلمة الأولى والأخيرة فيه لـ «تيّار المستقبل» وذلك بإشراف السنيورة بالتكافل والتضامن مع «سماحته» الذي تعطيه المادة 42 من المرسوم 18 الحق في تعيين 8 أعضاء يكون «عددهم يوازي ثلث عدد الأعضاء المنتخبين ويختارهم خلال أسبوع من تاريخ تصديق نتائج الانتخاب ويكونون من الفئات التالية: القضاة الشرعيون السنيون في محاكم البداية والمحكمة العليا من الدرجات الثماني العليا، القضاة العدليون والإداريون السنيون من الدرجات الخمس العليا، من ذوي الكفاءآت العليا، والمفتون».

التزم دريان بالمرسوم 18 وطبّق المادة 42 بحذافيرها، تماماً كما طبّق رغبات السنيورة بحذافيرها، لينتقي من كلّ فئة مقرباً من «التيّار الأزرق» أو محسوباً عليه أو حتى من صقوره!

انتظر خصوم «المستقبل»، وخصوصاً المحسوبون على «8 آذار» أن يكون لهم حصّة ولو ضئيلة من الأعضاء المعيّنين، تماماً كما توقّعوا أن تكون «الحصّة المستقبليّة» معقولة بأسماء غير استفزازيّة، تطبيقاً لكلام «صاحب السماحة» الذي كان كلّما التقاهم يؤكّد ويجدّد أنّ «المجلس الشرعي المنتظر سيكون له دور جامع»، مذكراً أيضاً بأنّه «غير محسوب على أحد، وإنّما مفتياً لكلّ المسلمين».

راهن هؤلاء كثيراً على وسطيّة المفتي وعلى رعايته للحوار السني – السني، كما راهنوا سابقاً على الدور السعودي والمبادرة المصريّة «التي دعمناها وأتى دريان على صهوتها» لكي تتبدّل أمور دار الفتوى، غير أنّهم صُعقوا أن النتيجة كانت أرباحاً صافية للسنيورة.

الخصوم لا يلومون كثيراً دريان، معتبرين أنّهم «يمكن أن يتفهّموا الضغوط التي تعرّض لها لرمي كلّ حصاده الذي راكمه على مدى أشهر في البحر الأزرق وتالياً حرق نفسه». إلّا أنهم يترقبون المقبل من الأيّام، إذ أنّهم يلفتون الانتباه إلى أنّ «الشرخ سيعود من جديد ليضرب أوصال الدار، ويعود الأمر إلى ما كان عليه قبل تنصيب المفتي الجديد، الذي دعمته غالبيّة القوى السياسيّة».

وإذا كان خصوم «المستقبل» يلّوحون بتحرّكات ومواقف جديدة ستظهر قريباً بعد مشاورات في ما بينهم، فإنّه يمكن القول إنّ أكثر المرتاحين، بعد «ساكن السادات تاور»، هم المحسوبون على المفتي السابق الشيخ محمّد رشيد قباني. هؤلاء يعرفون أنّ من لم يصدّقهم منذ أشهر قليلة، سوف يعود إليهم للتنسيق في عودة رئيس كتلة «المستقبل» النيابيّة للتحكّم بمفاصل «عائشة بكار».

في المقابل، لا يبدو أنّ المعركة التي خاضها السنيورة وفاز بها عن جدارة ومبدداً بذلك معركة قباني، أنّها كانت تهدف فقط إلى تعويض الخسارة التي مني بها «المستقبل» في انتخابات «الشرعي» (التي حصلت الأسبوع الماضي) للتأكيد أنّ «الأمر لي». ولكنّ المدققين في أسماء المعيّنين يدرك أنّ مهام الأعضاء واضحة والمعركة مفتوحة تحت عنوان: «التعديلات على المرسوم 18/1955»، إذ أنّ حوالي الأربعة من هؤلاء الأعضاء هم فعلياً «العقل المدبّر» والـ «دينامو» المحرّك لمشاريع التعديلات سابقاً، خصوصاً أنّهم من القانونيين الذين يحتاجهم السنيورة في هذه الحرب، فيما الباقي لا تتعدّى أدواره إلّا خوض الحرب إعلامياً.

صار واضحاً أنّ «دولته» ثبّت «أسلحته الثقيلة» على أرض دار الفتوى لعدم خسارة الرهان، هو لا يريد أن يسمع كما سمع سابقاً أنّ «اللقمة كانت ستصل إلى الفمّ، لولا…». وبالتالي، ما لم يستطع السنيورة أن ينتزعه من قباني، سيصله على طبقٍ من ذهب في أيّام دريان.

صحيح أنّ العديد من أعضاء «الشرعي» ولا سيّما العلماء منهم (خصوصاً المحسوبين على الجماعة الإسلاميّة) سيقفون سداً منيعاً لمواجهة «مشاريع السنيورة» التي تهدف إلى تقليص صلاحيات مفتي الجمهوريّة ومن ثمّ التحكّم بالأوقاف الإسلامية، غير أنّ «ضربة المعلّم» التي سدّدها السنيورة كانت حصول «المستقبل» على «أكثريّة نظيفة» بـ «معيّة تعيينات دريان»، حتى يتسنّى له تحقيق ما يريد..

وبالرغم من كون المتابعين لأمور دار الفتوى متأكدين أنّها «معركة المرسوم 18»، إلا أنّهم يسألون: «هل سيقبل دريان بأن تنتزع صلاحياته وصلاحيات كلّ المفتين الذين سيأتون بعده في عهده؟ كيف سيتصرّف خصوم تيار المستقبل، ولا سيّما الرئيس نجيب ميقاتي على اعتبار أنّه رئيس الحكومة الوحيد الذي سيحضر اجتماع رؤساء الحكومات بعد وفاة الرئيسين رياض الصلح وعمر كرامي وابتعاد الرئيس سليم الحصّ عن الأضواء (حتى أنّه استقال من منبر الوحدة الوطنيّة ولم يشارك في انتخابات الشرعي الأخيرة)، بالإضافة إلى السفر الدائم للحريري؟ هل أنّ هؤلاء سيساومون أم أنّهم سيخوضون المعركة حتى النهاية، ولو كانت خاسرة بعد نيل «المستقبل» الأكثريّة»؟ ماذا سيكون موقف علماء الدين المحسوبين على «المستقبل» بعد أن تتآكل صلاحيات المفتي؟