IMLebanon

انتحاريو المخيمات وجهاديوها

«عين الحلوة» و«المية ومية» تحت المجهر. عشرات الشبان تركوا بلاد الأرز لـ«الجهاد في بلاد الشام وأرض الرافدين». ولا يكاد يمر شهر من دون إذاعة بيان نعي لأحدهم أو تهنئة بـ«عملية استشهادية» قام بها آخر. هكذا تعيش مخيمات الشتات على هدي القتال الدائر هناك

من «أبو يحيى» إلى «أبو أُسَيد» ثم «الشيشاني» و«أبو مصعب»، عشرات الشبان ممن لم يتجاوزوا الخامسة والعشرين تركوا مخيمات لبنان سعياً للجهاد في أرض الشام وبلاد الرافدين، فقُتِل منهم من قُتل، فيما لا يزال آخرون ينتظرون.

هؤلاء، إلى جانب آخرين، توزّعوا بين انغماسيين واستشهاديين وعناصر مقاتلة في صفوف التنظيمات الناشطة في الميدان السوري. معظمهم ترك لبنان منذ أشهر، بعدما فُتِحت حدود الدول أمام عابري السبيل والجهاديين، على حدٍّ سواء. وباتت كل الطرق توصل إلى سوريا.

من يستقطب هؤلاء؟ كيف يخرجون ولماذا يعودون؟ وكم يبلغ عدد الذين سقطوا أثناء قتالهم في صفوف «الدولة الإسلامية» و«جبهة النصرة»، سواء في أرض الشام أو العراق؟

أُمنية القتال في أرض الشام تجمع حَمَلة الفكر الجهادي. والعشرات من هؤلاء يقيمون في مخيمات الشتات الفلسطيني في لبنان. وتتوزّع ولاءاتهم بين «الدولة الإسلامية» و«جبهة النصرة». من مخيم عين الحلوة وحده، خرج العشرات. وبحسب المتداول، قضى قرابة ٣٠ شاباً من مخيم «عين الحلوة» مع تنظيم «الدولة الإسلامية». فضلاً عن عدد مماثل سقط أثناء قتاله في صفوف «جبهة النصرة». وبحسب المواقع التي تدور في فلك التنظيمات الجهادية، «زُفّ خلال شهر رمضان وقبله كوكبة من الشهداء». من هؤلاء الشاب ربيع المحمود الملقب بـ «أبو النصر الطرابلسي»، وهو أحد عناصر مجموعة أسامة منصور الذي قتله عناصر فرع المعلومات في طرابلس، وكان يقيم في عين الحلوة قبل مغادرته إلى سوريا. وإلى «أبو النصر»، سقط «أبو طلحة» و«أبو جعفر» مجهولا باقي الهوية. لحق بهما عبد الرحمن غالي الملقب بـ«أبو يحيى المقدسي» الذي قُتل في ريف حلب. وكان شقيقه براء غالي قد قُتل قبل سنتين في صفوف «الدولة الإسلامية». كذلك سقط للتنظيم أحمد هريش الملقب بـ «أبو مصعب» ومحمد جمال رميض الملقب بـ «الشيشاني». في الدفعة الأخيرة أُضيف إليهم محمد مصرية الملقب بـ«أبو إسلام المقدسي» من مخيم المية ومية، الذي نفّذ «عملية استشهادية» مع جبهة النصرة. كذلك قُتل محمد المقدح الملقب بـ «أبو مالك المقدسي» ومحمد الصفدي الملقب بـ «أبو أسيد المقدسي» في العراق مع «الدولة الإسلامية». وخلال الأيام الأخيرة قُتل ابراهيم الداهودي الملقب بـ «أبو دجانة المقدسي» في أثناء قتاله مع التنظيم نفسه.

سقط قرابة ٣٠ شاباً من عين الحلوة والمية ومية أثناء قتالهم مع «الدولة الإسلامية»

معظم المذكورين أعلاه غادروا المخيم قبل أشهر. يومها انقسم المهاجرون إلى مجموعات، توزّعت تبعاً للجهة التي يجري التنسيق معها. سواء أكان تنظيم «جبهة النصرة» أم «الدولة الإسلامية»، علماً بأن الأغلبية بين المهاجرين مبايعة لـ«الدولة الإسلامية». والتنسيق يجري عبر مفاتيح موجودة في حلب والرقة والموصل، ولكل منهم مهرِّبين معتمدين. أما السُّبل التي سلكوها فتعددت. «النظيف» من هؤلاء، أي كل من ليس مطلوباً للقضاء اللبناني، غادر عبر مطار بيروت قاصداً تركيا. وهناك كان بانتظاره وسيط تولّى نقله إلى الداخل السوري أو العراقي، تبعاً للوجهة التي يقصدها. أما المطلوبون، ممن خبروا التوقيف سابقاً أو هم ملاحقون حالياً، فكان أمامهم ثلاث سُبل: الأولى عبر تزوير جوازات سفر للمغادرة عبر مطار بيروت إلى تركيا. وهي الطريقة الأكثر أماناً، غير أنّها مُكلفة، إلا أنّ كُثُراً عدلوا عن اعتمادها بعد توقيف الشيخ أحمد الأسير خشية تواطؤ معين قد يوقع بهم. أما الطريقة الثانية فمغادرة لبنان عبر معابر التهريب، سواء بحراً عبر ميناء طرابلس، أو برّاً باتجاه الأراضي السورية. ومن هناك، يُصار إلى تحديد الوجهة. علماً أن معظم هؤلاء يغادرون المخيم ليس بصفتهم جهاديين، بل مسافرين عاديين يريدون الخلاص.

لماذا يغادر هؤلاء؟ هل هناك من يُجنّدهم؟ ولماذا يعودون؟

معظم التحقيقات التي أُجريت مع موقوفين بجرائم الإرهاب لدى فرع المعلومات واستخبارات الجيش والأمن العام، كشفت أن الموقوفين أفادوا خلال اعترافاتهم بأنهم بايعوا تنظيم «الدولة» و«النصرة» بعدما تأثّروا بنجاحات هذا التنظيم أو ذاك في ميدان القتال في سوريا أو العراق. وعن عمليات التجنيد، كشف المحققون أنّ الشخص الذي كان يتولى تجنيدهم كان يلعب على وتر استفزاز مشاعرهم بإرسال مقاطع فيديو تُظهر مجازر مرتكبة بحق أطفال ونساء. ثم يُرسل لهم مقاطع أخرى لجهاديين «انتقموا للضحايا». غير أنّه في خلال اتصال مع «أبو هاجر»، أحد الجهاديين الذي عاد إلى المخيم قادماً من سوريا بعد تعرّضه للإصابة جراء المعارك الدائرة هناك، ربط الأخير الهجرة للجهاد بـ«الدفاع عن دولة الإسلام، كواجب شرعي على كلّ مسلم». ورأى «أبو هاجر» أنّ «معظم الشبان الذين يُغادرون المخيم، لا يفعلون ذلك تأثراً بإصدار، بل من منطلق اعتقادي ومنهجي، وللدفاع عن أهل السنّة الذين يُقتلون بأيدي الصليبيين والمرتدين والنصيريين والروافض». أما لماذا يعودون رغم الأخطار التي يتكبدونها في أثناء المغادرة، فهناك سببان: إما جراء تعرضهم لإصابة تُقعدهم عن القتال لفترة، أو بسبب تكليفهم مهمات أمنية في الداخل اللبناني من قبل التنظيم الذي بايعوه. ويكون بين هؤلاء «شرعيون» للتجنيد وانغماسيون وكشّافون يستطلعون أهدافاً يُراد استهدافها لاحقاً.