IMLebanon

النخب السورية؛ خالد الأسعد مثالاً

بهدوء | 

من مفارقات النخبة السياسية السورية، أن أفضل أعضائها، وأكثرهم أصالة ورزانة، هم المنتمون إلى الدولة أو الدولة العميقة. ومن نافلة القول أن بعضهم فاسدٌ، وبعضهم جامدٌ، إنما بعضهم الأخير هم رجال دولة يتمتعون بصفات منافسة على المستوى الدولي. ولن أذكر أسماءً بعينها من هؤلاء، لئلا أقع في خطأ التجاهل لمن يستحق الذكر منهم.

بالمقابل، فشلت جميع التيارات المعارضة السورية في تقديم شخصية قيادية واحدة يمكن المرء أن ينظر إليها بما يكفي من الجدية أو التقدير. أولاً، أظهرت التطورات أن الأغلبية الساحقة من النخبة السورية المعارضة، موصومة بالفساد أو بالارتزاق أو بالافتقار إلى صفات رجل الدولة البديل؛ وثانياً، أظهر أفضل المعارضين السوريين، افتقارهم المحزن إلى الحسّ السياسي، وإلى أولويات الخطاب السياسي. إنهم لا ينظرون إلى أنفسهم بالجدية الكافية، فيتحدثون، على المنابر الإعلامية، كما لو كانوا في مقهى. لا يتورّعون عن إطلاق الشتائم والسخافات، معتقدين أنهم يتمتعون بخفّة الظل أو يتباهون بالعنف اللفظي؛ وثالثاً، ظهر تيار عام بين المعارضين السوريين يتصف بالافتقار إلى الحس الوطني. بعضهم حتى الخيانة وطلب الغزو، لكن جلهم لم ينظروا إلى سوريا ومكانتها وتراثها ودورها الإقليمي الخ؛ ورابعاً، أظهر المعارضون السوريون جميعاً ــ باستثناءات خجولة ــ مدى تحكّم الأحقاد الشخصية بهم وبفكرهم وخطابهم السياسي. والحقد لا يصنع سياسات ولا أدواراً. ولكنه يقرّب المسافة بين المثقف الليبرالي وحتى التقدمي وبين الإرهابيين.

بالخلاصة، لم تخصب المعارضة السورية المدنية، زعماء أو قادة، وإنما شللاً من أردإ الأنواع؛ وهذا سبب رئيس من أسباب اجتياح خطاب التنظيمات التكفيرية والطائفية الإرهابية، وتحوّل عدد من «حثالة البروليتاريا» إلى زعماء جماعات مسلحة، يبدو فيهم مصلّح الدراجات، السابق، أهمّ، ألف مرة، من أستاذ السوربون والفيلسوف، السابقين.

سر الأسرار في تدني مستوى المعارضين السوريين، وحلفائهم في لبنان وبلاد الشام، هو شعورهم العميق بالخصاء إزاء النظام السوري؛ ردود أفعال المخصيين، ستكون، حتماً، حاقدة مضطربة سوقية شتّامة عاجزة عن توليد الأفكار الإيجابية؛ هؤلاء لا يصدّقون، في أعماقهم، أن النظام السوري يمكن أن يزول أو يتغيّر، إلا بوساطة قوة يشعرون، إزاءها، بالانسحاق أكثر، أي الإمبريالية والصهيونية والعثمانية. وبما أنهم لا يؤمنون بقضيتهم، فإن نشاطهم الرئيسي ينصرف إلى جمع الأموال من الخزائن القطرية والسعودية، وإلى الاستمتاع باللحظة، بما في ذلك ما يرونه كثيراً جداً عليهم من مقابلات مع وزير الخارجية الروسي، سيرغي لافروف، ومَن هم مثله أو دونه.

المسؤول الأول عن خصاء النخبة السياسية المعارضة هو النظام السوري الذي احتكر السياسة لنفسه، ومنع تبلور سياسيين وإعلاميين مستقلين. وهو لم يربح في ذلك، بل خسر وجود نخبة وطنية معارضة قادرة على التحالف مع النظام في مواجهة الغزو الخارجي المستمر من 2011. ومن المأمول أن يكون هذا الدرس حافزاً لمنح قيادات سياسية وطنية شابة، صقلتها الحرب، القدرة على بناء منابر سياسية وإعلامية مستقلة، تستكمل البنية السياسية للدولة السورية، بقيام نخبة سياسية، وطنية ومستقلة ومثقفة ومسؤولة، كما هو حال الأقسام الأخرى من النخب السورية.

الدولة والمجتمع السوريان، انتجا، خارج حقل المعارضة السياسية، نخباً عالية المستوى في كل المجالات؛ التربية والتعليم والجامعات والثقافة والدراما والأدب والموسيقى والفنون الجميلة والقانون والدبلوماسية والطب والهندسة والزراعة والتحديث التقني والتقانة والمعلوماتية والصناعة والصناعة الحربية، وانتجا، بشكل خاص، نخبة من الضبّاط المحترفين من أعلى المستويات، في العلم العسكري والانضباط والشجاعة.

لا نجادل في أن أشكالاً من الفساد قد ضربت أوساطاً من النخب التكنوقراطية السورية؛ إلا أن هذه النخب ــ كما كانت نظيرتها العراقية ــ بقيت حصناً للقيم والوطنية والدولة والمجتمع، وثروة اجتماعية للحاضر والمستقبل.

عمل أعداء سوريا، كما فعلوا في العراق، على استقطاب النخبة السياسية المعارضة، المخصية والمجوَّفة، وقرروا تدمير النخب التكنوقراطية الرفيعة المستوى، بالإرهاب والتهجير. والهدف واضح؛ راجعوا ما حدث في العراق: أما كان ممكناً، بعد الاحتلال وإسقاط النظام، الحفاظ على المؤسسات والجيش والنخب التكنوقراطية، وإعادة تشغيل الدولة؟ ما حدث هو العكس؛ فقد جيء بالمعارضة المخصية اللاوطنية، وتم تسليمها الحكم، بينما جرى تفكيك المؤسسات وذبح التكنوقراط أو تهجيرهم.

النخب التكنوقراطية السورية، تعلمت الدرس؛ لا مكان لها إلا في سياق الدولة الوطنية؛ لذلك تمسكت بالمؤسسات وبالنظام، وانخرطت في مقاومة التخريب واللصوصية. الكثيرون منهم قدموا حيواتهم دفاعاً عن التكوين الوطني المؤسسي؛ لكن علينا، اليوم، أن نحني الهامات لواحدٍ منهم؛ الآثاريّ البطل، خالد الأسعد، حامي حضارة تدمر ولغتها؛ لم يهرب بشيخوخته (82 عاماً)، بل صمد في وجه الإرهاب، وقدّم رأسه، لكي يحمي تراث بلده، تراثنا؛ هل يمكن أن يخجل «مثقفو» المعارضة؟ كلا.