IMLebanon

إذا تأجّلت الإنتخابات هل يتقدم الإصلاح؟

 

لا تزال الزيادات الضريبية على البنزين ورفع الضريبة على القيمة المضافة، التي اقترحتها الحكومة لتأمين تمويل زيادة رواتب القطاع العام، تتفاعل شعبياً وسياسياً. فعلى الرغم من محدودية التحرّك في الشارع، إلا أنّ وطأة القرارات انعكست مباشرة على الحياة اليومية للمواطنين، ولا سيما مع حلول شهر رمضان المبارك وبداية الصوم، حيث يتزامن الضغط المعيشي مع تآكل غير مسبوق في القدرة الشرائية نتيجة الارتفاع الجنوني في أسعار السلع الأساسية. وبين ضعف الاحتجاجات واتساع النقمة الصامتة، يبدو المشهد وكأنّه هدنة مؤقتة لا تعكس حقيقة الغليان الكامن في النفوس.

 

سياسياً، كشفت المرحلة الأخيرة ازدواجية في مواقف بعض الوزراء، إذ بدا أنّ الحسابات الانتخابية تتقدّم على مقتضيات المسؤولية الحكومية. فالتسويق العلني لمعارضة هذه القرارات الصعبة لم ينسجم مع ما تسرّب لاحقاً من معطيات أظهرت أنّ قرار زيادة البنزين كان قيد النقاش وجاء تسريب الخبر بمثابة الدفعة المطلوبة لإقراره.

هذا التناقض طرح تساؤلات جدية حول المصداقية، وأعاد إلى الواجهة إشكالية الأداء السياسي القائم على الشعبوية بدل المكاشفة. وإذا كان ثمة من يظن أنّ نصب فخ للحكومة قد يحقق مكاسب ظرفية، فإنّ هذا الرهان يبقى عبثياً، لأنّ مجلس الوزراء يتخذ قراراته بصورة جماعية، ما يعني أنّ المسؤولية تقع على عاتق جميع مكوّناته بلا استثناء.

في موازاة ذلك، يتقدّم النشاط الانتخابي على حساب العمل المؤسساتي، فتُستنزف الطاقات في حملات مبكرة بينما تتراجع الأولويات الإصلاحية. ومن هنا يبرز طرح تأجيل الانتخابات لمدة سنتين، على أن تُستثمر هذه الفترة في بسط سلطة الدولة ومعالجة الملفات السيادية الشائكة، وفي مقدّمها مسألة السلاح خارج إطار الشرعية. كذلك، قد تتيح هذه المهلة نقاشاً جدياً حول تعديل القانون الانتخابي الحالي، الذي لم يلبّ يوماً طموحات اللبنانيين إلى تمثيل ديمقراطي عادل، بل كرّس منطق المحاصصة الطائفية وأعاد إنتاج الطبقة السياسية نفسها.

إن إجراء انتخابات وفق القانون القائم لن يُفضي، على الأرجح، إلى تغيير نوعي في التمثيل، ما يضع علامات استفهام حول جدواها في الظرف الراهن.

غير أنّ أي تأجيل يجب ألا يتحوّل إلى ذريعة للتمديد المفتوح أو الهروب من المحاسبة، بل إلى فرصة حقيقية لإصلاح بنيوي يعيد الثقة بين الدولة والمجتمع. فالإصلاح لا يُقاس بالشعارات، بل بالقرارات الشجاعة والشفافية في تحمُّل تبعاتها. لذلك، تبقى النصيحة للوزراء وللطبقة السياسية عموماً أن يهدّئوا من اندفاعهم الانتخابي، وينصرفوا إلى ورشة إصلاح فعلي بعيداً عن المزايدات. فنجاح أي خطة إصلاحية سينعكس إيجاباً على الجميع، ويشكّل الأرضية الصلبة لأي استحقاق ديمقراطي مقبل. وكما قال الفيلسوف السياسي جان جاك روسو: «إنّ أقوى الدول هي تلك التي تقوم على إرادة عامة صادقة، لا على مصالح فئوية ضيقة».