IMLebanon

العنصر النسائي يقلب المعادلة في مجلسي النواب والوزراء

 

بالرغم من أن لبنان يُعد من بين أسوأ 10% من البلدان في العالم لجهة المشاركة السياسيّة للمرأة، الا أن التجربة الأخيرة لها سواء في المجلس النيابي او في الحكومة توحي بمسار وروحية جديدة لعمل النساء اللبنانيات في الحياة السياسية، وكأننا امام مرحلة يتم خلالها وضع الحجر الاساس الذي يؤسس لمراحل مقبلة مزدهرة نسائيا.

 

وقد بدأ هذا المسار بترشح 86 امرأةً لعضويّة مجلس النوّاب مقارنةً باثنتي عشر فقط في العام 2009، علما انه العدد الأكبر الذي يتم تسجيله لعدد المرشحات الى النيابة على مر التاريخ اللبناني الحديث. وبحسب دراسة للمركز اللبناني للدراسات فان 90% من المرشحات كن حاملات لشهادات عليا، كالماجيستير والدكتوراه، مقارنةً بـ55% من المرشحين الذكور. وقد ترشحت أكثريّة النساء، أو 70 منهنّ، على الّلوائح غير الحزبيّة أو لوائح المجتمع المدني مقابل 9 فقط ترشحن على لوائح الأحزاب، وللمفارقة فان 5 من هؤلاء الـ9 نجحن بالوصول الى الندوة البرلمانية مقابل واحدة فقط ترشحت على لوائح المجتمع المدني، ليكون مجموع عدد المقاعد النيابية التي حصدتها نساء 6 مقاعد، مقارنةً بـ4 عام 2009، علما ان هذا العدد يبقى متواضعا جدا مقارنة بالحماسة التي عبرت عنها المرشحات الـ86.

 

واذا كان عمل النواب الـ5 «الحزبيات» بقي في الاطار الحزبي، فشاركن بتقديم اقتراحات قوانين من ضمن المجموعات التي ينتمين اليها، فان النائبة المستقلة الوحيدة بولا يعقوبيان نجحت بفرض واقع جديد من العمل داخل المجلس النيابي، اذ تقدمت منذ انتخابها بـ31 اقتراح قانون، ما يُعد تقريبا نصف عدد اقتراحات القوانين المقدمة منذ انطلاق عمل البرلمان المنتخب عام 2018. وتعتبر يعقوبيان في حديث لـ «الديار» ان اقتراح القانون المرتبط بفرز النفايات من المصدر، الذي تقدمَت به، «من شأنه أن يوفر ملايين الدولارات على اللبنانيين وأن يضعنا على المسار الصحيح لمعالجة سليمة للنفايات تسمح لنا باسترداد الطاقة منها بدل هدرها طمرا أو حرقا». وترى يعقوبيان ان «المرأة في الحياة السياسية في لبنان مُطالبة بالعمل مرتين وأكثر من النواب الذكور وبذل جهد مضاعف لكسر الصورة النمطية والأفكار المعلبة المتداولة لجهة انها لا تعرف، ولا تستطيع وليست أهلا»، لافتة الى ان «الحملات الكبيرة التي تتعرض لها سببها الرئيسي انها تجرأت على المس بجيوب المافيات وبمشاريعهم وبصفقاتهم المشبوهة». وتضيف: «للاسف ارتكاباتهم لا تتوقف عند السياسة والسرقات، بل تتخطى ذلك الى شن حملات غير أخلاقية لمواجهة الحقائق والوقائع».

 

وقد شكلت تجربة اطاحة المجلس الدستوري بنيابة ديما جمالي واعادة انتخابها قبل ايام، محطة اساسية اعادت التركيز على أهمية وجود العنصر النسائي في البرلمان، وهو ما تجلى باصرار رئيس تيار «المستقبل» سعد الحريري على اعادة تسميتها، رغم كل الضغوط الشعبية التي تعرض لها لاستبدالها بأحد القياديين الطرابلسيين.

 

أما تجارب باقي النواب النساء فتشبه الى حد بعيد تجارب من سبقهن الى الندوة البرلمانية لجهة التركيز على العمل الانمائي في مناطقهن ومتابعة قضايا قررن تبنيها ولكن من دون ضجة والكثير من الأضواء. الا ان اللافت في هذا المجال يبقى اصرار هؤلاء على عدم اتخاذ مواقف سياسية لافتة عند كل محطة وحتى عند المحطات المفصلية في البلد وترك الموضوع لقياداتهن الحزبية، وهو ما ترى فيه مصادر سياسية تكريسا لفكرة محدودية المرأة في الحياة السياسية، ما يوجب وضع حد نهائي له، لافتة الى ان النواب النساء مدعوات اكثر من غيرهن للخروج عبر وسائل الاعلام والتعبير بصراحة وحزم عن مواقفهن حتى وان كانت تنسجم مع مواقف الحزب الذي ينتمين له، لأن المجتمع اللبناني بحاجة لأن يتأقلم مع فكرة قدرة النساء على المجادلة والنقاش بالسياسة لا ان يبقى متمسكا بفكرة انها لا تعرف الا ان تردد مواقف متخذة سابقا.

 

وكما في النيابة كذلك في الوزارة، تحاول الوزيرات الجدد اثبات انفسهن خاصة مع نجاح اثنين منهن بتولي وزارات أساسية جدا، وهما وزيرة الداخلية ريا الحسن ووزيرة الطاقة ندى البستاني. وقد أثبتت الوزيرتان بعد فترة قصيرة على انطلاق العمل الحكومي عن قدرة على التأقلم سريعا مع متطلبات وزارتيهما. فاذا كانت البستاني قد خبرت العمل في «الطاقة» كمستشارة في السنوات الماضية، فان الحسن نجحت هي الأخرى بفرض نمط جديد من العمل في «الداخلية» بعيدا عن النمط التقليدي المتعارف عليه. وقد شكّل اقرار مجلس الوزراء مؤخرا خطة الكهرباء التي وضعتها البستاني انجازا يسجل للمرأة اللبنانية خاصة بعد تحول قطاع الكهرباء على مر السنوات السبب الأبرز للهدر والدين العام.

 

وفيما يراهن البعض على ان العنصر النسائي سواء في البرلمان او الحكومة سيمل قريبا ويعود الى ممارسة السياسة التقليدية التي اعتادها اللبنانيون، تؤكد اكثر من نائبة ووزيرة انها ماضية بما بدأته وبنفس النشاط والزخم لأن المسؤولية الملقاة على أكتافهن أكبر من أي وقت مضى ولأنهن يمهدن الطريق لعشرات ومئات النساء اللواتي سيسعين بعدهن لخوض المشوار السياسي، «من هنا كان لزوم تقديم تجربة مشرفة وتليق بكل نساء لبنان».