الضربة النووية الأولى والخيار العسكري الأميركي

 

 

رفع الأعضاء الديمقراطيون في مجلسي النواب والشيوخ بالكونغرس الأميركي مشروع قانون الأسبوع الماضي يقضي بمنع الولايات المتحدة من استخدام أسلحتها النووية إلا إذا تعرضت البلاد لهجوم بالأسلحة النووية من دولة أخرى ولم تبدأ هي الهجوم.

ومن الناحية المثالية، فمن شأن مشروع القانون أن يدفع إلى إعادة النظر – التي طال انتظارها – في سياسات الأسلحة النووية الأميركية، ويسفر عن استنتاج مؤداه أن «قانون عدم الاستخدام الأول» من شأنه إعاقة المصالح القومية للولايات المتحدة، ويحيل العالم إلى مكان أكثر خطورة.

أولاً، دعونا نفترض أن مشروع القانون، الذي تعد السيناتورة والمرشحة الرئاسية إليزابيث وارن أحد رعاته، سوف يحظى بقوة ملزمة في بعض حالات الطوارئ التي تكون فيها مثل هذه القضية هي مجرد فصل البداية. وبخلاف ذلك، فإنه لا يعدو كونه إعلاناً بلا معنى.

ما هي صورة بعض المناسبات المحتملة التي تعتزم الولايات المتحدة الأميركية توجيه الضربة النووية الأولى خلالها؟ دعونا نفترض تلقي الرئيس الأميركي تقارير استخبارية تفيد بأن كوريا الشمالية مثلاً كانت تخطط لتوجيه ضربة نووية من تلقاء نفسها، أو محاولة بيع بعض من أسلحتها النووية إلى الجماعات أو التنظيمات الإرهابية المعادية. ودعونا نفترض أيضاً أن الغزو العسكري الأميركي المباشر في مثل هذه الحالة هو أمر يتعذر تطبيقه (على الأرجح) وأن القنابل المدمرة للمخابئ الجبلية العميقة لن تكون سلاحاً كافياً للإطاحة بنظام الحكم في بيونغ يانغ (على الأرجح كذلك). في مثل هذا الموقف، من المحتمل للولايات المتحدة أن تنظر بجدية في فكرة توجيه الضربة النووية المحدودة ضد كوريا الشمالية، إذا ما كانت تحاول الحيلولة دون وقوع كارثة أكبر.

وهذا لا يعني بالضرورة أن مثل هذه الضربة النووية هي في واقع الأمر من الأفكار الجيدة، فمن المستحيل الوقوف على صحة التقارير الاستخبارية ودقتها، من جانب واحد، وإذا وجهت الولايات المتحدة تلك الضربة وفقاً لذلك، فإن السيناريو البديل قد لا يتحقق على الإطلاق.

ومع ذلك، فإن احتمال توجيه هذه الضربة – حتى مع فقدان المبرر العقلاني أو كونها مدمرة للغاية – قد يردع كوريا الشمالية عن السير في هذا الطريق بادئ ذي بدء.

أو، إن كنا نفضل ذلك، فربما نستدعي فرضية من فرضيات التاريخ. دعونا نتصور أن ألمانيا النازية لا تزال تخوض الحرب العالمية الثانية في نفس وقت نجاح مشروع مانهاتن الأميركي لصناعة القنابل النووية. فإن كانت القيادة الألمانية النازية قاب قوسين أو أدنى من حيازة السلاح النووي الخاص بها، فهل كنا سنرغب من الولايات المتحدة اتخاذ ما يلزم من إجراءات لعدم استخدام الألمان قنبلتهم النووية أولاً؟

يصعب تماماً الوقوف على سبب وجيه يدعو الولايات المتحدة إلى التخلي طواعية عن امتلاك هذه القدرات.

وإن اعتبرنا «الخوف» هو رئيس أميركي مارق على الحقيقة، فإننا نتحول بالضبط إلى الحالة التي يجري فيها تجاهل القانون تماماً وانتهاج مسار شن الهجوم النووي أحادي الجانب على أي حال.

ربما تعتقد أن مشروع القانون الديمقراطي سوف يحد من مخاطر سوء التقدير السياسي للأمور. لكن السيناريو الأكثر رجحاناً لسوء التقدير السياسي هو ذلك السيناريو الذي توصلت الولايات المتحدة فيه (بطريق الخطأ) إلى أن هناك دولة أخرى قد شنت بالفعل الهجوم النووي ضد الولايات المتحدة. وليس من شأن مشروع القانون الحيلولة دون حدوث هذا السيناريو. هناك استخدامات كثيرة للأسلحة النووية لدى البلدان التي تملكها.

ففي حالة الفرضية ذات الصلة بكوريا الشمالية، على سبيل المثال، قد يتوقع القليلون أن تكون لدى الهند إما الرغبة أو القدرة على تسوية المعضلة الكورية الشمالية، وبالتالي فإن سياسة «عدم توجيه الضربة النووية الأولى» قد تحمل بعض المعاني بالنسبة إلى الهند، وفي واقع الأمر فإن نيودلهي قد اعتمدت نسختها الوطنية من هذه السياسة بالفعل. لكن، على اعتبار الولايات المتحدة هي القوة العسكرية الأكبر في العالم، فإنها تقف موقفاً مغايراً تماماً من هذه السياسة.

علاوة على ما تقدم، كيف يمكن معرفة بالضبط أن إحدى الدول قد شنت هجوماً بالأسلحة النووية أولاً؟ هناك الكثير من الحالات التي لا لبس فيها (مثالاً بالهجوم النووي على هيروشيما)، لكن هناك أيضاً الكثير من السيناريوهات الوسيطة التي تستدعي المزيد من التعقل والرصانة. ماذا لو أن الصاروخ النووي قد انطلق بالفعل، لكنه تعطل أو تحطم دون توصيل حمولته النووية؟ ماذا لو أن الجيش الأميركي شنّ هجوماً على موقع نووي معادٍ أثناء إطلاق أحد الصواريخ النووية منه؟ ماذا لو أن المستقبل القريب شهد استحداث الأسلحة النووية التكتيكية الصغيرة للغاية ذات التأثير الانفرادي المحدود عن الأسلحة النووية التكتيكة الحالية الأوسع تأثيراً؟ ماذا لو جرى نشر بعض أسلحة الدمار الشامل الأخرى، على سبيل المثال، الأسلحة البيولوجية الأشد فتكاً وخطورة من الأسلحة النووية؟

في مثل هذه الحالات، هل يتعين على القائد العام الحصول أولاً على تفويض من الكونغرس قبل إصدار الأمر بتوجيه الضربة النووية المضادة؟ يفتقر مشروع القانون الديمقراطي المذكور ذكر مزيد من التفاصيل حول هذه المسألة، لكن هناك مشروعاً قانوناً آخر ومزامناً ينص على بديل منطقي يفيد بحظر توجيه الضربة النووية الأولى «ما لم يكن توجيه هذه الضربة مستنداً إلى تفويض صريح من الكونغرس بشأن توجيه مثل هذه الضربات». ماذا لو أن هجوماً سيبرانياً شديداً قد جعل من مثل هذا التصويت مستحيلاً؟ ماذا لو تم إطلاق سلاح نووي فائق لسرعة الصوت ضد واشنطن، بحيث لا يكون أمام الرئيس الأميركي سوى دقائق قليلة للغاية لاتخاذ قراره؟

لا يمكن اعتبار هذا الحوار جديداً تماماً. فلقد شارف الرئيس السابق باراك أوباما على اعتماد الإعلان الرسمي بعدم توجيه الضربة النووية الأولى غير أن كبار المسؤولين في الحكومة الأميركية آنذاك، بخلاف حلفاء الولايات المتحدة في كل من آسيا وأوروبا، قد عارضوا الأمر بشدة. فما كان من الرئيس أوباما إلا التخلي عن الأمر برمته بكل حكمة وحصافة. ولم يتغير من شيء في الحسابات الأساسية المعنية بالموقف منذ ذلك الحين.

لا يزال استخدام الأسلحة النووية هو أهم القضايا التي نواجهها كحضارة. لذلك؛ فمن الأهمية القصوى أن تتفاعل سياسة الولايات المتحدة تماماً مع الحلفاء، والنظر في دروس نظرية المباراة (من وسائل التحليل الرياضي لحالات تضارب المصالح وصولاً لأفضل الخيارات الممكنة) والأسلحة النووية.

وعلى صعيد التحليل السياسي، فإن قانون «عدم الاستخدام الأول» هو قانون ضعيف.

وأما بالنسبة إلى الولايات المتحدة، فإن المقدرة على توجيه الضربة النووية الأولى لا تزال تحظى بالقيمة والتقدير.

 

* بالاتفاق مع «بلومبرغ»