IMLebanon

شيء من التّاريخ

 

 

لكلٍّ روايته في الحياة، حتّى الإنسان البسيط الذي يريد أن يخبرك حكايته في الحياة يرويها كما يراها أو كما يُريد أن يراها هو، هتلر كتب حياته في “كفاحي” مع أنّ هناك مئات الوثائق التي تثبت أنّه كان مريضاً نفسيّاً وتسبّب بالحرب العالميّة الثانية. ربما الهوس بفكرة الإمبراطور أو “الفرعون” يتحكّم بهواة السّاعين إلى السّلطة، وسيبقى السؤال ملحّاً وجدّياً حول التّاريخ ومصداقيّته في حكاية تاريخ الأمم.

 

من يكتب التّاريخ؟ لن أذهب بعيداً وسأقول إنّه في الإسلام السياسي التاريخي وليس المعاصر لدينا تاريخان وروايتان وتهمتان بالعبث بهذا التاريخ من قبل من يسمّون بمؤرّخي السّلطة، المدهش أنّ تاريخنا مهما كان طابعه يكتبه لنا الآخر ـ العدوّ ثمّ يُعيد تقديمه لنا بالصّيغة التي تُناسب مصالح بلاده، بل ويسبغ على دوره في هذا التّاريخ كلّ صفات البراءة والمساعدة والمسارعة إلى نجدة الآخر المحتاج، على الأقل اكتشف العالم الذي قدّم لنا نفسه أنّه متحضّر أنّه منظومة مجرمة من الدّول الكبرى لا تمنح العُزّل الأبرياء أياماً قليلة من وقف إطلاق النّار في غزّة وتترك الآلاف يتعفّنون تحت الأنقاض فيما نفس العالم يدّعي أنّه يسارع لتقديم المواد الغذائيّة والطبيّة والإنسانيّة ويترك هذه المساعدات التي هي أصلاً قُدّمت قبل أن تنتهي صلاحيتها ببضعة أسابيع تفسد على معبر رفح الممنوع إسرائيلياً فتحه لإدخال المساعدات التي أعلن بالأمس أنّها فقدت صلاحيّتها!

 

فلنعد إلى التّاريخ وذمّة حكاياته ورواياته، لا يختلف خيال الغرب كثيراً وهو يؤرخ للسياسة في العالم الإسلامي عن تأريخه لحكايات ألف ليلة وليلة أو الجواري الألف للخليفة هارون الرّشيد ولا التشنيع على صورة الخليفة الأمين، ولا كيل الاتهامات لصلاح الدّين الأيّوبي ولا  الرّغبة الغربيّة الجامحة في تدمير صورة السلطان العاشر للدولة العثمانيّة سليمان القانوني قاهر أوروبا حتى اليوم!

 

من المفارقات أنّ الذين أرّخوا لسليمان القانوني وحكايته مع إبنه الأمير مصطفى هم أعداؤه الأوربيّون وهم الذين صوّروا القانوني على أنّه مجرم قتل ولديْه فيما الحقيقة أنه لا يُحسد على ولديْن خائنيْن له وللدولة العثمانيّة كان همّهما الوصول إلى السلطة مهما كان الثمن، موت مصطفى شكل أحد أكثر المواضيع التي اشتغل عليها الكتاب الأوربيون في تلك الحقبة، حيث غدا موضوعاً للتراجيديات والأوبرات. كالمسرحية التراجيدية التي كتبها بروسبيرو بوناريللي وت. تاسو493 بعنوان (سليمانو)، وأوبرا أيضاً تحمل اسم (سليمانو) من تأليف ج. أمبروجيو (G. Ambrofio) وم. أ.فالنتيني (M. A. Valentini)  494، ومصدر الروايات التي تدور حول لقاء القانوني والأمير قبيل مقتله، أو قيامه بمراقبة عملية القتل من إحدى الغرف الداخلية للخيمة فليست سوى نتاج خيال محض لأصحاب هذه المسرحيات والأوبريتات، ولكنّ السؤال المهمّ هنا: لماذا تتفجّع أوروبا على الأمير العثماني، هل لإنسانيّتها مثلاً؟ المدهش في التّاريخ أنّ المزيّف يطغى على الحقيقة، فقد مات السلطان سليمان القانوني وهو يعتقد أنّ ابنه مصطفى الذي أعدمه لأنّه خانه مع السلطان طهماسب فقط ورسالته إلى السلطان الصفوي معروضة في متحف طهران، ومع هذا هناك من يدّعي أن هناك رسالة بدون توقيع مجهولة تعرض في قصر “الباب العالي” في اسطنبول تؤكّد براءة الأمير مصطفى، لكنّ القانوني  لم يعرف أبداً أنّ نفس الابن خانه مع عدوّته الإيطاليّة “البندقيّة”، فقد تواصل مع سفير “البندقية” بإسطنبول، وأرسل مبعوثا إليه يدعى “نبي بك” يطلب المساعدة من البندقية كظهير دولي لفوز الأمير بالسلطنة، وقد سافر هذا المبعوث برسالة من مصطفى ومن أسير يُدعى “توماس مايكل” ابن نبيل بندقي في السّجون العثمانية إلى مجلس الشيوخ البندقي في اﻷول من تشرين الأول من عام 1553، وقد أشيع في البندقية أن هدف الزيارة هو عقد صفقة يتم بمقتضاها تزويد البنادقة الأميرَ بالخبرات الحربية والتقنية المتقدمة في حال وصوله للعرش مقابل أن يعيد إليهم “حصن المورة” (اليونان) الذي فقدوه سابقًا أمام الدولة، وما زال أرشيف دولة البندقية بمدينة “ساو پولو” بإيطاليا يحتفظ بنسخة من رسالتين حملهما سفير الأمير إليه وهو عائد إلى اسطنبول!

 

غالباً، التّاريخ ليس دائماً ما نقرأه، أعتقد أنّ مجازر إسرائيل في غزّة اليوم جعلتنا نصدّق ونرى المجازر التي لم نحضرها من دير ياسين إلى مجزرة الطنطورة، بالمناسبة: هل شاهدتم الوثائقي عن مجزرة طنطورة.. “يا محلا ما يحدث اليوم أمامها”.