يأتي هذا المقال ضمن سلسلة مقالات تُضيء على استحالة الفصل بين الجناحين العسكري والسياسي لـ “حزب الله”. فهذا التنظيم لا يشبه أي تنظيم سياسي لبناني آخر من حيث النشأة، إذ لم يمرّ بمسار “طبيعي” شبيه بمسار الأحزاب التقليدية التي بدأت بعمل سياسي ثم انخرطت لاحقًا، وبشكل ظرفي، في العمل الأمني أو العسكري. في حالة “حزب الله”، كانت الأداة العسكرية الخارجية حاضرة منذ البداية، علنية ونافرة، لا طارئة ولا اضطرارية. والعودة الدقيقة إلى لحظة التأسيس تكشف هذه الحقيقة بوضوح: “حزب الله” لم يولد حزبًا سياسيًا حمل السلاح لاحقًا، بل وُلد تنظيمًا عسكريًا عقائديًا، وكانت السياسة أداة أُلحقت به لاحقًا لخدمة هذا الواقع، لا العكس.
في بدايات الثمانينات، لم يظهر “حزب الله” كحركة مطلبية أو كتيار سياسي داخل النظام اللبناني، بل كتنظيم مسلح خارج الدولة وبمواجهة مباشرة معها. من أوائل المؤشرات الصارخة على ذلك، اجتياح ثكنة للجيش اللبناني ورفع شعار “الدولة الإسلامية”. هذا الحدث ليس تفصيلًا عابرًا أو زلّة في زمن الفوضى، بل تعبير صريح عن نظرة “الحزب” إلى الدولة اللبنانية نفسها: كيان مرفوض عقائديًا، ينبغي إسقاطه أو تجاوزه، لا إصلاحه أو المشاركة فيه.
الجيش اللبناني، بوصفه المؤسسة السيادية الأولى، لم يكن بالنسبة إلى “الحزب” الناشئ رمزًا للوحدة الوطنية، بل تجسيدًا لنظام سياسي “باطل” في أدبيات الإسلام الثوري المتأثر بولاية الفقيه. من هنا، فإن توجيه السلاح إلى الداخل سبق توجيهه إلى الخارج، ما يؤكد أن المشروع منذ بدايته لم يكن محصورًا بمواجهة إسرائيل، بل مرتبطًا بإعادة صياغة الكيان السياسي اللبناني نفسه.
العمليات العسكرية الكبرى التي نُسبت إلى “الحزب” في سنواته الأولى سبقت أي إعلان سياسي منظم. “الرسالة المفتوحة” عام 1985 لم تؤسس للمشروع، بل شرعنته نظريًا بعد أن بات واقعًا عسكريًا قائمًا. فيها أعلن “الحزب” التزامه الصريح بولاية الفقيه ورفضه للنظام اللبناني، ودعوته إلى إقامة دولة إسلامية. السياسة هنا لم تكن مساحة تسوية أو خطاب وطني، بل بيانًا عقائديًا يبرر ما فُرض بالقوة.
بعد اتفاق الطائف، لم يتخلَّ “الحزب” عن طبيعته العسكرية، بل أعاد تسويقها. قُدّم السلاح على أنه “مقاومة”، ودخل “الحزب” إلى البرلمان عام 1992 لا بوصفه حزبًا مدنيًا، بل كتنظيم مسلح يبحث عن غطاء دستوري دائم. المشاركة السياسية لم تكن تحولًا في المشروع، بل تكتيكًا لحمايته، وضمان استمراريته داخل مؤسسات الدولة بدل أن يكون خارجها فقط.
من هنا، يستحيل الحديث عن فصل بين جناحين. الجناح السياسي لم يكن يومًا مستقلًا أو مقرِّرًا، بل وظيفة من وظائف السلاح. القرار الحقيقي ظل حيث القوة العسكرية، والسياسة لم تكن سوى وسيلة لإدارة هذا القرار، وتطبيعه، ومنع إخضاعه لمنطق الدولة. “حزب الله” لم يعسكر السياسة لاحقًا، بل سيّس العسكرة منذ لحظة التأسيس. وكل نقاش يتجاهل هذه الحقيقة التاريخية يبقى أسير وهمٍ لا يصمد أمام الوقائع.