IMLebanon

عري في مرآة روحاني

لم يحسم الجدل بعد من هي الجهة التي وقفت وراء قرار حجب التماثيل العارية عن انظار الرئيس الايراني حسن روحاني لدى زيارته المتحف الإيطالي. فقد بدأ تبادل الاتهامات والتهرب من المسؤولية فور اندلاع موجة من الانتقاد الحاد والسخرية اللاذعة في وسائل الاعلام ومنصات التواصل الاجتماعي، تصور الايطاليين تجاراً صغاراً، «يقبلون بيع أي شيء مقابل المال»، وإن كان ذلك يعني التخلي عن إرثهم الثقافي والحضاري والفني. وفيما أعلن مكتب روحاني انه لم يطلب شخصياً هذا الأمر، لكنه اثنى عليه على ما يبدو، تنصل وزير الخارجية الايطالي من المسؤولية، ونفى وزير الثقافة معرفته بالمسألة برمتها، حتى ألقيت اللائمة أخيراً على مديرة المتحف، التي «تطوعت» على ما نقل، لتغليف المنحوتات تفادياً لـ «خدش حياء رئيس دولة مسلم».

ولولا أنها الزيارة الرسمية الأولى لرئيس ايراني بعد رفع الحظر والعقوبات عن الجمهورية الإسلامية، ويفترض أن تُناقش خلالها ملفات شائكة وعقود اقتصادية لها انعكاسات سياسية مباشرة، لكانت مسألة التماثيل غطت على بنود جدول الأعمال لما تحمله من رمزية.

لكن وبغض النظر عمن يتحمل مسؤولية الخطأ، يبقى ان التطوع لمهمة من هذا النوع، أو بالأحرى «الرقابة الذاتية» التي فرضتها موظفة ملمة بشؤون البروتوكول الدولي، تقول الكثير عن صورة الإسلام وبلدانه في الخارج، والسلطة المعنوية التي تسبق سمعته فيها.

والى ذلك، والأهم ربما، أنها تكشف فجوة القيم والمفاهيم بين عالمين، ووجهاً من وجوه «صراع الحضارات» المسكوت عنه. وهو وجه حافظت فرنسا على بعض مائه، إذ رفض قصر الإليزيه النزول عند رغبة ضيفه الايراني، وإقامة غداء رسمي من دون نبيذ.

والحال أن نقاشاً كهذا يبدو ترفاً او رفاهية مفرطة اذا ما تم قياسه بما يجري سياسياً وعسكرياً في المنطقة العربية والعالم، وما للايرانيين من بصمات واضحة فيه. لذا، لا يكفي استحضار الفن الفارسي المشبع عرياً و «ايروتيكية» لتقديم مقابل ثقافي للتماثيل الرومانية، بل يجب البحث في ما هو أبعد وأعمق. فتلك حجة مضادة تخدم نظرية عنصرية يشهرها القوميون الكارهون للعرب في إيران، والقائلون ان تلك السلوكيات «الغريبة عنهم»، جاءتهم مع الدين الاسلامي (العرب) فيما هم (الفرس) براء منها. وهي أدبيات فئة غير قليلة من المعارضين الايرانيين للنظام السياسي- الديني الذي ارسته الثورة الخمينية، وتنطلق من معطيات ثقافية محضة.

والحال إن «الرقابة الذاتية» المسبقة التي أفضت الى تغليف التماثيل في عقر دار أوروبا، وهي للمفارقة تزيد جدران مؤسسة دينية كالفاتيكان، تكتسي أهمية مضاعفة لأنها تتزامن مع نقاش وجودي عميق تخوضه القارة العجوز مع جالياتها المهاجرة، وسياسات دمجها، وأخطاء تهميشها، وظهور حالات «داعشية» غير قليلة بين ظهرانيها. ولا شك في أن لانهزام الكنيسة أمام الدولة دوراً كبيراً في حسم ذلك النقاش مسيحياً، لكنه عاد وطرح بشدة في العقد الأخير وازداد حدة اليوم مع توافد آلاف اللاجئين (المسلمين بغالبيتهم). وما يعقد الأمور أكثر، بعض ما ارتكب أخيراً من حوادث تحرش جماعي سقطت كالصفعة على وجه المرحبين باللاجئين، وأولهم المستشارة الالمانية انغيلا مركل، وهو ما أضعف حزبها سياسياً على كل حال.

فمسائل مثل الحجاب، والنقاب، والختان، والزواج القسري والتحرش والعنف الاسري، وحرية التفكير والتعبير والابداع، وغيرها مما هو ترف او تفاصيل واهية او شأن خاص بالنسبة «الينا»، وغالباً ما نطمرها تحت مسميات «ثقافة محلية» تحتمل وجهات نظر، هي مما يغير سياسات وقوانين ويطيح بحكومات «لديهم». لذا فإن تقديم التنازلات الثقافية والقيمية، لا بل المزيد منها كل يوم، لا يصبح في هذا السياق بادرة حسن نية او محاولة لبناء جسور بين الحضارات والثقافات، وربما استثمار ذلك سياسياً او اقتصادياً، بل يبدو استسلاماً لطرف أقوى وإقرار بصوابيته الأخلاقية يترجم على الضفة الأخرى «تفوقاً وانتصاراً»… إلا إذا تخيلنا ان زيارة رئيس اوروبي (مسيحي) لطهران قد يتخللها تقديم نبيذ شيراز الفاخر.

الأمر ما عاد إذاً مجرد تنافس بين ثقافة أو حضارة تعلي الحشمة (اليابان على سبيل المثال) وأخرى متصالحة مع أعضائها البشرية ولا يخدش حياءها العري. المسألة تتعلق بتفوق أخلاقي تمنحه تلك البلدان لنفسها وتحاسب غيرها وفقه، مطالبة الآخر من دونها، بالتسلح بقيم التسامح والانفتاح لتعيد فتشهرها ضده حين يوافقها ذلك.

ردم تلك الفجوة، حاجة أكثر الحاحاً اليوم مع ما يرتكبه النظام الإيراني بحق شعبه أولاً وشعوب المنطقة ثانياً من تجاوزات أخلاقية وانسانية وحضارية، تبدأ بطمس اي مكون عرقي او ديني أو ثقافي ولا تنتهي بعري سياسي فاضح تمارسه في محيطها الإقليمي، لا سيما سورية.

تلك حاجة ملحة لنا قبل الغرب ربما، لأن سياسات ايران تطالنا في شكل مباشر، لكنها حاجة الغرب المستجدة ايضاً مع ما ستطرحه عليه الشراكة مع الجمهورية الاسلامية من شروط وتحديات. سوى أن ذلك لا يتم برقابة ذاتية ظرفية يمارسها الاوروبيون على أنفسهم لتمرير صفقات اقتصادية وتجارية، ولا باعتماد لغة التسامح المفرط مع طرف غير متسامح يخدش حياءه تمثال عار، ولا تؤرقه جثة انتهكت حميميتها.