IMLebanon

حملة التهويل السبهانية: الشائعات عن الليرة بلا مفاعيل

 

قاد ثامر السبهان، مساء أول من أمس، حملة تحريض وتهويل بواسطة وسائل الإعلام المرئية المحليّة، مهدّداً لبنان بـ«ما لا تحمد عقباه». ونجح في التسبّب ببثّ الشائعات والقلق حول مصير الليرة، ما استدعى صدور «بلاغ» تطميني عن حاكم مصرف لبنان رياض سلامة يشير إلى توافر الإمكانات دفاعاً عن استقرار سعر الليرة مقابل الدولار

سارع حاكم مصرف لبنان رياض سلامة، أمس، إلى إصدار «بلاغ» تطميني عن استقرار الليرة والاستمرار في الدفاع عن سياسة تثبيت سعر صرفها مقابل الدولار. البلاغ أتى بعد انفجار سلسلة شائعات عن حرب مقبلة وعن طلب على الدولار، ما إن أعلن الرئيس سعد الحريري استقالة حكومته. وكذلك بعد تصدّر الوزير السعودي ثامر السبهان وسائل الإعلام المرئية المحلية مهدّداً اللبنانيين بـ«ما لا تحمد عقباه» إذا لم تؤخذ إجراءات ضد حزب الله. وإذا «لم يرتدع الحزب بالإجراءات الدولية، يجب إقامة عقوبات فعلية وحلّ جذري».

 

لساعات، نجح هذا السيناريو في إثارة الهلع والقلق في السوق المالية، إذ انتشرت شائعات عن وجود طلب على الدولار وعن إمكان تعرّض الليرة لاهتزاز كبير، رغم أن الاستقالة جاءت في يوم عطلة (السبت)، ما يعني أن هذه الشائعات لا تستند إلى أي معطيات واقعية ولا قدرة لأحد على معرفة حقيقة وجود طلب على الدولار وحجمه وحدوده الزمنية إلا اعتباراً من صباح اليوم. وأدت حملة إعلامية مبرمجة بدأت على قناة «العربية» السعودية وأكملها السبهان بظهوره في معظم وسائل الاعلام الى انتشار هذه الشائعات، وسط الصدمة والذهول من مفاجأة الحريري.

وبحسب أحد رجال الأعمال، فإن «الدراما التي حاول السبهان إظهارها في لبنان ليست موجودة أصلاً؛ فقد مرّ على لبنان الكثير من الأزمات التي لم تؤثّر فيه رغم ضخامتها وسرعة ارتداداتها. حرب تموز كانت أبرز الأحداث التي خلقت هلعاً حقيقياً، ولكنها لم تؤثّر بسبب وجود الاحتياطات بالعملات الأجنبية التي يراكمها مصرف لبنان. المصدر الفعلي لهذه الاحتياطات هو السيولة الفائضة لدى المصارف والبالغة 30 مليار دولار». ويشير أحد المصرفيين إلى أن «فهم طبيعة الاستقالة تطلب أخذ ساعات، وتحديداً حتى بدء حملة الاعتقالات في السعودية، وعندها فقط بدأت تتضح الصورة عن الاستقالة كأزمة سعودية. يجب النظر بدقّة إلى الأنباء الواردة من السعودية عن الاتهامات بسرقة أموال هبة المليار دولار التي لم يُصرف منها سوى 650 مليوناً وأوقف الباقي».

 

هكذا اندفع مصرف لبنان نحو إصدار «بلاغ» صباح أمس الأحد، لوضع حدّ للشائعات، ولاستباق افتتاح السوق المالية صباح اليوم. وبدأ سلامة بتوصيف الحالة التي يراها في الاستقالة: «يمرّ لبنان بأزمة سياسيّة وحكوميّة تسبّبت باستفسارات حول مستقبل الليرة اللبنانية. أودّ أن أؤكّد استقرار سعر صرف الليرة تجاه الدولار الأميركي. هذا الاستقرار هو لمصلحة لبنان ويحظى بإجماع لبناني. الإمكانات متوافرة بفضل الهندسات والعمليات المالية الاستباقيّة التي أجراها مصرف لبنان، والتعاون قائم مع القطاع المصرفي بما هو لمصلحة لبنان واللبنانيين والاستقرار النقدي».

والواقع أن سلامة «ضرب عصفورين بحجر واحد»؛ فهو من جهة مرّر رسالة لتبديد الشائعات واستباق أيّ حركة ونشاط سلبي محتمل في الأسواق قبل ساعات من أول يوم عمل في الاسبوع، ومن جهة ثانية ردّ على المشككين في سياساته المالية والانتقادات التي طاولته بسبب تنفيذ الهندسات المالية والعمليات التي اعتبرها استباقية لتوفير الإمكانات لكبح أي طلب محتمل على الدولار. غير أن سلامة تجاهل حقيقة أن هذه السياسات «باهظة الكلفة»، وأن اللبنانيين دفعوا ثمن الدفاع عن الليرة مسبقاً على مدى عقدين. وكان آخر الأثمان توزيع أكثر من 5 مليارات دولار على المصارف في 2016، وملايين أخرى في 2017، بالإضافة إلى إجراءات دعم سنوية وعمليات دمج متواصلة وغيرها.

في المقابل، يشير أحد المصرفيين إلى أن قدرة السعودية على خلق طلب على الدولار أو سحب ودائع من لبنان ضعيفة جداً، لأسباب عدة:

ــــ في المبدأ، لا مصلحة لأيّ مصرف في الانخراط في المضاربات على الليرة، لأن انعكاسات أيّ خضّة في السوق المحلية ليست محصورة بمصرف أو بجهة معيّنة، والسوق مترابط بكتل مالية تستفيد من معدلات فوائد مرتفعة قياساً على الفوائد العالمية.

ــــ التهديدات السابقة تضمّنت دوماً بثّ شائعات عن التهديد بسحب الوديعة السعودية من مصرف لبنان، وقد تبيّن أن الوديعة، إلى جانب وديعة إماراتية وغيرها، سُحبت، علماً بأنها كانت تستفيد من فائدة نسبتها 3%.

ــــ بالنسبة إلى ما يحكى عن هروب ودائع خليجية من لبنان، تؤكد المصادر المصرفية أن نسبة الودائع الخليجية لم تزد في السنوات الماضية على 2% من أصل ودائع إجمالية بقيمة 160 مليار دولار.

ــــ لدى مصرف لبنان اليوم عملات أجنبية جمعها من المصارف بقيمة تزيد على 34 مليار دولار (كما في نهاية آب). هذا المبلغ يساوي ضعفي قيمة الاستيراد السنوية، وهذا المقياس يعدّ أكثر من كافٍ وفق المعايير العالمية.

ــــ وتيرة الطلب على الدولار وكميته أساسيتان لقياس القدرة على مواجهة الأزمات، وهذا مرتبط بالمدى الزمني لاستمرار الأزمة والاستنزاف اليومي المحتمل لمخزون مصرف لبنان من العملات الأجنبية. وبالتالي، فإن مفاعيل حملة التهويل السبهانية لم تتجاوز ساعات، ما يعني أن بدء العمل في الأسواق المالية صباح اليوم لن يحمل مخاطر فوق العادة، وأن بثّ الشائعات لم يكن له أيّ مفاعيل عملية.