المثالثة منذ الـ 1993

 

 

المخاوف والتوجّس من مجلس تأسيسي ينقل لبنان إلى المثالثة والسعي لفرضها بنصّ الدّستور مخاوف مشروعة ومحقّة، لأنّ المثالثة خرجت من طور الاستتار إلى طور العلن الذي يمعن في إزهاق روح لبنان، خصوصاً وأنّ هذه المثالثة تختطف لبنان منذ تواطأت الدولة على نفسها مع نظام الاحتلال السوري ولم تنفّذ اتفاق الطائف ـ بصرف النّظر عن مآخذنا الكثيرة والجوهريّة عليه ـ بل سمحت بتعطيله ووضعه على الرفّ وكأنّه لم يكن!

 

قليل من مراجعة الواقع اللبناني منذ العام 1990 بُعيْد إقرار اتفاق الطائف تؤكّد للباحث أنّ «المثالثة» أُسّس لها منذ ذلك الوقت، أكثر من ذلك، نقول إنّ المثالثة أسّس لها منذ انقلاب 6 شباط العام 1984 لكنّها لم تتظهّر إلا منذ العام 1993، منذ السيّئة الذِّكر «الترويكا» التي كرّست وضع مؤسسات الدولة «ع جنب» واستطيبت تسيير البلاد على طريقة «مرّقلي تمرّقلك»، حتى تمكّن أهل المثالثة من تثبيت الرئاسات الأولى والثالثة وتعطيل دورهما، ومن دون شكّ لعب الاحتلال السوري الدور الأبرز في تكريس مثالثة الترويكا عن سابق تصوّر وتصميم.

 

تحدّث البيان الختامي لاجتماع بكركي أنّه «ليس لأحد أن يصنع للبنان هوية جديدة»، وهذا بيت القصيد، تغيير هويّة لبنان قائم على قدم وساق منذ العام 1982 منذ ولادة حزب الله الذي عمل كـ»نملة» لبناء إمبراطورية إيران في لبنان والمنطقة، و»المثالثة» ليست نهاية المطاف للساعين إليها، إلا أنّها تمكّنهم مرحليّاً من حكم لبنان لأنّ ثمة الكثير ممّا يجب وضع اليد عليه مباشرة من ثروات لبنان خصوصاً النّفط، سياسة التعطيل لم تعد مجدية وما فعله حزب الله بالتكافل والتضامن مع حليفه التيار العوني منذ ورقة التفاهم لتحقيق غاياتهم ومكاسبهم السياسيّة، يفعله حزب الله بحليفه العوني، الذي يذوق القليل من الذي سقاه للفرقاء اللبنانيين الآخرين منذ ورقة التفاهم في 6 شباط العام 2006، هذا الـ»شباط» تاريخ إيراني مقدّس لأنّه حمل الخميني وأجندته والعالم وبرعاية أميركيّة.

 

هويّة لبنان التي تحدّث عنها بالأمس بيان بكركي وهويّته العربيّة «معطّلة» وفي طريقها إلى الزوال، عملية إلغاء هذه الهويّة بدأت على نار هادئة منذ البيان التأسيسي الأول لحزب الله، من يتذكّر اليوم كيف كان يعلو الهتاف في عاشوراء بعد طرح السؤال: من أنتم؟ فيعلو الصراخ «حزب الله»؟! حتى وصل لبنان إلى ما هو عليه اليوم، وللمناسبة، الآتي أعظم!

 

حتى اليوم، تمّ طرد العرب من لبنان، ولن يسمح لهم بالعودة، والعرب مخطئون إن ظنّوا أنّهم هم غادروا لبنان، وأنّهم هم الذين يقرّرون أو أنّهم هم غادروا سوريا وأنّهم هم من يقرّرون العودة إليها، لقد طردتهم إيران من لبنان وسوريا وقبلها من العراق، وتسعى بإصرار لإخراجهم من البحرين ومن اليمن ومن الكويت أيضاً، وحتى إن أخرجت ظاهراً من سوريا فقد أنجزت بنية وجودها التحتيّة والعقديّة ونشرت تشيّعها فيها وقضي الأمر!

 

لن تقبل إيران بأقل من استكمال «دولة حزب الله» في لبنان، و»المثالثة» ليست أكثر من محطّة بانتظار نتائج الصراع مع أميركا  في المنطقة، إيران سبق وأخرجت أميركا من لبنان، وأخرجتها من العراق، والآن تخرجها من سوريا فيما الغباء الأميركي يُكرّر نفسه منذ العام 1983 وحتى اليوم.

 

ثمّة إضافة أخيرة نودّ إيرادها بخصوص نظريّة «الرئيس المسيحي القوي»، نظنّ أن تجربة العامين والنصف الماضيين أكّدت أنّ «التعطيل» أقوى من كلّ الرؤساء، وأنّ حزب الله لن يفرج عن كلّ المؤسسات التي تدير الدولة إلا بعد ان يحكمها ويتحكّم به، ولا مانع لديه من ترك هؤلاء مجرّد «ديكور» يحتمي خلفه من مواجهة دوليّة إلى حين تصبح الرياح مؤاتية للسيطرة النهائية!