IMLebanon

15 كانون الثاني 1986: الانتفاضة الثالثة … والثابتة

 

في منتصف كانون الأول من العام 1985، أسرَّ إليَّ أحد العقول إلى جانب الراحل إيلي حبيقة بما يلي: “شوف، الإتفاق الثلاثي، يا مننفد فيه يا منروح ميِّة شقفة”.

 

كان هذا الكلام يعكس حقيقة المأزق الذي وقع فيه إيلي حبيقة، كان يعتقد بأن اتفاقًا مع حركة أمل بزعامة نبيه بري والحزب “التقدمي الإشتراكي” بزعامة وليد جنبلاط، برعاية شخصية من الرئيس حافظ الأسد، ستُطلِق يده ليس في “الشرقية” فقط، بل في كل لبنان. لكن “اللعب” مع السوريين، وتحديدًا مع حافظ الأسد، ليس بالأمر اليسير، يعطونك بالمفرق ثم يأخذون منك بالجملة.

 

بدأت القصة بين حبيقة والسوريين، بشخص عبد الحليم خدام، في أيلول من العام 1985، بتبادل الرسائل التي شكَّلت “مسودة الاتفاق الثلاثي”، كان السوريون يفاوضون بلسان خدام السليط، وبالمدفعية، فكلما كان يتعثر بندٌ من البنود كانوا يغرقون “الشرقية” بالقصف.

 

أدرك إيلي حبيقة متأخرًا أنه تورَّط في اتفاق لا يستطيع تمريره عند المسيحيين، كانت المعارضة للاتفاق تبدأ من داخل “القوات اللبنانية”، وعلى رأسها الدكتور سمير جعجع، وصولًا إلى بكركي، مرورًا بكل القيادات المسيحية وعلى رأسهم الرئيس كميل شمعون.

 

يوم توقيع الاتفاق، كان نهارًا مشؤومًا في الثامن والعشرين من كانون الأول 1985. وقع عن حركة “أمل” نبيه بري، وعن “القوات اللبنانية” إيلي حبيقة، وعن الحزب “التقدمي الإشتراكي” وليد جنبلاط الذي قال بسخرية: “عسى أن يُطبَّق الاتفاق على أيام تيمور”.

 

كانت “الشرقية” تغلي، فالاتفاق يغيِّر هويّة لبنان، لأنه يجعله ملحقًا بسوريا، سياسيًا وعسكريًا، ومن المفارقات أن الفصل العسكري من الاتفاق أعدَّه قائد الجيش آنذاك العماد ميشال عون.

 

ما لم يحققه حافظ الأسد باغتيال بشير الجميل عام 1982، أراد تحقيقه باغتيال”الشرقية” في 28 كانون الأول 1985.

 

الكرة في ملعب “القوات اللبنانية”، إما أن تستسلم وتسلِّم، وإما أن تُسقِط الاتفاق الثلاثي، فكان الخيار الثاني.

 

فجر الأربعاء الخامس عشر من كانون الثاني 1986، تحركت القوات العسكرية من الشمال، بقيادة الدكتور جعجع، في الوقت الذي كان فيه مقر إيلي حبيقة في “جهاز الأمن” في الكرنتينا، يتعرَّض لقصف هائل. تزامن ذلك مع التشويش على إذاعة “صوت لبنان” في الأشرفيه التي كانت تحت سيطرة قوات حبيقة، فانقطع إرسالها عند السابعة والربع صباحًا.

 

مع حلول الظلام أعلن إيلي حبيقه استسلامه، في هذا الوقت تلقى قائد الجيش العماد ميشال عون اتصالًا من رئيس الأركان في الجيش السوري العماد حكمت الشهابي لأإخراج حبيقة حيًا من مقره. نفذ العماد عون الطلب فأخرجت ملالات الجيش حبيقة ونقلته إلى وزارة الدفاع.

 

ليل 15 كانون الثاني 1986، أسدلت الستارة على الاتفاق الثلاثي، بانتفاضة قادها الدكتور سمير جعجع، وهي الثالثة في أقل من سنة: الأولى في آذار 1985 على الدكتور فؤاد أبو ناضر الذي تماهى بمواقفه مع السلطة الرسمية، وقادها الثلاثي حبيقة وجعجع وبقرادوني، والثانية في أيار من السنة نفسها حين انتفض حبيقة وأعلن ” الأمر لي”، تمهيدًا لفتح الخط مع السوريين، والثالثة بإسقاط الاتفاق الثلاثي، وهي كانت الانتفاضة الثالثة … والثابتة.