IMLebanon

هكذا تطوّر «داعش».. ليتربّع على «العرش اللبناني» في 2015

عبدالله عزّام» تتهاوى.. والحسابات الشخصيّة تُضعف «النّصرة»

هكذا تطوّر «داعش».. ليتربّع على «العرش اللبناني» في 2015

365 يوماً وكل شيء في لبنان يراوح أو معطل.. إلا الأمن. هذه السكة التي لم يبارحها لبنان منذ عشر سنوات، بدت مزدحمة كعادتها منذ اندلاع الأزمة السورية حتى اليوم، لكن مع تسجيل تطور نوعي يتمثل في تقدم الأداء الأمني اللبناني، وخصوصا الاستباقي، بحيث صار يضاهي أعرق البلدان، فضلا عن تطور العمل التنسيقي بين المؤسسات العسكرية والأمنية، ولو أنه لم يبلغ النقطة المرجوّة بعد.

وقد استطاعت القوى الأمنيّة أنّ تحقّق إنجازات تمثّلت بتفكيك العديد من الخلايا الإرهابية، فأوقفت أكثر من 250 إرهابياً بين قياديين وعناصر يتوزعون بين «داعش» أولا ثمّ «النصرة» فـ «كتائب عبدالله عزّام»، الأمر الذي يبين أن «داعش» برهن في العام 2015 أنه الأقوى على الأراضي اللبنانيّة بعدما ورث «النصرة» و «كتائب عزّام».

من بين الإنجازات، القبض على أحمد الأسير، وتوقيف معظم أفراد الخليّة المسؤولة عن تفجيري برج البراجنة، بالإضافة إلى عدّة توقيفات لقياديين ينتمون لـ «داعش»، أدّت إلى إسقاط حلم الإمارة في عدد من المناطق اللبنانيّة، وإن كان المشروع ما زال قائماً.

وسقط في القبضة الأمنيّة العديد من الأشخاص المبايعين لـ«داعش»، وكانوا ينوون تفجير أنفسهم. فيما اللافت للانتباه أنّ معظمهم من القاصرين الذين يعيشون في بيئات اجتماعيّة واقتصاديّة معدمة، أمثال عيسى عوض (مواليد 1998)، إبراهيم الجمل (مواليد 1995)…

وبرغم هذه الإنجازات، تشي تطوّرات نهاية العام 2015 وبداية العام 2016 باشتباك إقليميّ سعودي ـ إيراني قد تطال شظاياه لبنان، غداة إعدام الشيخ نمر النمر، كما أن أية آمال بقرب إنهاء الشغور الرئاسي، باتت شبه معدومة في المدى القريب، وهذا الواقع المستجدّ سيرتّب على المؤسسات العسكرية والأمنية أعباءً إضافية، خصوصاً على وقع التطوّرات المرجح احتدامها في الأشهر المقبلة في سوريا واليمن والبحرين والعراق.

أكثر من 9 انفجارات هزّت بيروت، وتحديداً الضاحية الجنوبيّة، بين تمّوز 2013 وحزيران 2014، بالإضافة إلى عدد من الانفجارات التي وقعت في بعض المناطق اللبنانيّة كالهرمل وعرسال وضهر البيدر وجبل محسن…

توقّفت التفجيرات التي استهدفت بيروت لحوالي عام ونصف عام، لتعود في 12 تشرين الثاني 2015. قد يختلف التفجير الأخير عن سير وقائع التفجيرات الأخرى. هذه المرّة كان التنظيم الإرهابيّ الأقوى في لبنان يحاول أن يثبت أنّه موجود بعد سلسلة من الصّفعات التي تلقّاها على مدى أكثر من سنة على يد الأجهزة الأمنية اللبنانيّة.

بعد اندلاع الأزمة السوريّة، نظريّة «المسار والمصير» التي طبّقت قبل انسحاب الجيش السوريّ في العام 2005، عادت إليها الروح مع بداية العام 2013، حينما صارت التنظيمات الإرهابيّة المتغلغلة في سوريا، تتمدّد عبر الحدود وبفعل الظروف السياسيّة والجغرافيّة والطائفيّة إلى الداخل اللبنانيّ.

صار الحمل ثقيلاً على الأجهزة الأمنيّة اللبنانيّة التي لم تختبر تجارب العراق وأفغانستان.. ولم تكن تجربة «فتح الإسلام» وقبلها حالة بسام كنج الملقّب بـ «أبو عائشة» في الضنيّة في نهاية العام 1999، وإلقاء القبض على عدد من المنضوين في تنظيم «القاعدة»، كافية لبناء منظومة استخباراتيّة تجيد اختراق الشبكات الإرهابيّة التي تطوّرت من «الجماعة الأم» بقيادة أسامة بن لادن وتحوّلت إلى «خلافة إسلاميّة» ذات هيكليّة حديديّة وانتشرت في بعض المناطق اللبنانيّة.

.. رحلة القبض

على الإرهابيين

كان لاهتزاز الضاحية الجنوبيّة في 9 تموز 2013 على وقع سيارة مفخّخة ثم توالي السيارات المفخّخة فالانتحاريين والانغماسيين، تداعيات قلبت المقاييس الأمنيّة. لم يعد الإرهابيّون مجرّد منظّرين للفكر الجهادي، بل صار لهؤلاء خلايا تتواصل مع القيادات في سوريا والعراق وطامحون لإعلان «الإمارات» من بعض المناطق اللبنانيّة.

حينها، بدأت الأجهزة الأمنيّة تلتقط الخيوط وتجمعها، مستفيدةً من المعلومات الآتية من خلف الحدود لتبدأ رحلة إلقاء القبض على عناصر هذه الشبكات وقيادييها.

وبرغم شحّ الخبرات والمعلومات والإمكانيات، كان العام 2014 هو الأبرز لجهة تحقيق إنجازات أمنيّة تقاسمها الجيش اللبناني والأمن العام وقوى الأمن الداخلي.

لم يكن تفصيلاً أن يتمّ إلقاء القبض على أحمد سليم ميقاتي في 23 تشرين الثاني 2014. الرجل الذي خرج بعفوٍ عام من تهمة الإرهاب وعلاقته بأحداث الضنيّة في العام 1999، انكبّ خلال السنوات الأخيرة على بناء خليّة تأتمر بإمرة «داعش» في عاصون. اتكأ «أبو الهدى» على شبكة علاقاته وعناصره في طرابلس، واضعاً بصماته النهائيّة على مشروع إعلان الإمارة في الشّمال.

وخلال العام 2014، شكّل الأمن الاحترازي سمة عمل الأجهزة الأمنيّة بالتكافل والتضامن ليجنّب لبنان العديد من التفجيرات. فاعتقل الأمن العام ثمّ «شعبة المعلومات» انتحاريّي فندق «دي روي» السعودي عبد الرحمن الشنيعي (وقُتل انتحاري سعودي آخر)، وانتحاري فندق «نابليون» الفرنسي فايز بوشران، بالإضافة إلى قتل مشغلهم المنذر خلدون الحسن الذي كان يعمل لمصلحة «جبهة النصرة».

واستطاع الجيش ومخابراته خلال الـ2014، تدمير معظم البنية التحتية لـ «كتائب عبدالله عزّام» التي تبنّت ثلاثة تفجيرات وقعت في بيروت وأبرزها التفجير المزدوج الذي استهدف السفارة الإيرانية.

«الكتائب» التي تأسّست في بداية العام 2007، سرعان ما تهاوت مع دخول قيادييها إلى السجون واحداً خلف الآخر. مات ماجد الماجد بعد إلقاء القبض عليه بكمين محكم، ليتبعه الرأس المدبّر لمعظم التفجيرات في بيروت، والذي كان الصيد الأثمن على الإطلاق نعيم عباس. ثمّ بلال كايد وجمال دفتردار ووسام نعيم…

ومع ذلك، بقي لـ«الكتائب» وجودها في لبنان، وإن اضمحلّ. هذا بتأكيد من المسؤول فيها سراج الدين زريقات الذي أعلن لصحيفة «الراي» الكويتيّة منذ ثلاثة أشهر أنّ «الكتائب ما زالت عاملة وموجودة في لبنان من خلال خلايا مقطّعة عنقودية التنظيم».

ونجحت بعض قيادات «الكتائب» بالتخفّي والهرب. وسراج الدين زريقات هو واحدٌ من هؤلاء الذي ما زال اسمه على رأس لائحة أهمّ المطلوبين للدولة اللبنانيّة.

تكمن خطورة المتحدّث الرسميّ باسم «عبدالله عزّام» بشبكة علاقاته التي أسّسها مع المجموعات الإرهابيّة بانتقاله بأمرٍ من ماجد الماجد إلى سوريا منذ بداية الأزمة واشتراكه حينها بتأسيس «سرايا مروان حديد».

وليس هذا فحسب، وإنّما يملك الشيخ قدرة تجنيد نظراً لتنقّله في أكثر من منطقة لبنانيّة وكونه يملك قدرة تأثير وإقناع جعلت منه شيخاً مفوّهاً يتحلّق حوله تلامذته ومريدوه مذ كان يقطن في بيروت. فابن بيروت العشرينيّ تنقّل في أكثر من منطقة متواصلاً مع الكثيرين، خصوصاً أنّه كان يملك محلاً لبيع الهواتف في منطقة الطريق الجديدة وكان خطيباً مكلّفاً من الأوقاف الإسلاميّة، قبل أن ينتقل للعيش في منطقة الناعمة ويفرّ إلى مخيّم الميّة وميّة فعين الحلوة.

أمّا الأمير التنفيذي لـ «الكتائب» الفلسطيني توفيق طه فما زال هو الآخر حراً طليقاً داخل عين الحلوة. في الوقت الحالي، لا يخرج الرجل من عين الحلوة مستفيداً من صعوبة إلقاء القبض عليه، هو الذي لطالما تردّد اسمه في ملفّات إرهابيّة كثيرة منذ أكثر من 10 أعوام.

الرجل المدرج اسمه على لائحة المطلوبين البارزين هو خبير بتصنيع المتفجّرات وتزوير المستندات الرسميّة، بالإضافة إلى تتلمذ العديد من الإرهابيين على يديه كنعيم عباس وعبد الغني جوهر.

لهذه الأسباب

تضعضعت «النصرة»

وإذا كان وجود «الكتائب» قد تضعضع في لبنان، فإنّ وضع الذراع الرسميّة لتنظيم «القاعدة في بلاد الشام» ليس بحالٍ أفضل. فقد عمل الأمن اللبناني خلال العامين الأخيرين على «تجفيف منابعها» بعد تنفيذ الخطّة الأمنيّة في طرابلس وقتل أو فرار «رؤوسها» وأبرزهم شادي المولوي وأسامة منصور والمنذر الحسن.

كذلك، فإن «قتال الإخوة» أرخى بثقله على «الجبهة» التي ضعفت بنيتها المركزيّة بتوزّع مراكز القرار، وصارت الغلبة عند بعض قيادييها للحسابات الشخصيّة. هذا ما ظهر بوضوح خلال عمليّة التبادل بينها وبين الدولة اللبنانيّة، إذ كانت عمليّة «فكّ العاني» أشبه بطلبات شخصيّة لإطلاق سراح أقرباء عدد من القياديين.

وأبعد من ذلك، يتردّد أنّ الخلاف بين «النصرة» و «داعش» (برغم تعاونهما ميدانياً في بعض المناطق) هو خلاف شخصي بين أبو بكر البغدادي وأبو محمّد الجولاني، وفق ما يكشف أحد قادة «أحرار الشام» أبو أيمن الحموي في دراسةٍ تحمل عنوان «أليس منكم رجل رشيد؟».

لا يمكن الحديث عن فشل تجربة «الجبهة»، ولكنّ يمكن الحديث بإسهاب عن الاختلافات في الرؤى بين قياداتها وانخفاض قدرتها التجنيديّة، ومحاولة بعض قيادييها الاسئثار بالسّلطة، تماماً كما بات يتردّد عن أداء أمير «الجبهة» في القلمون أبو مالك التلي.

ووفقاً لذلك، واستناداً إلى مراجعة لأبرز الموقوفين واعترافاتهم، بات جلياً أنّ «داعش» ورث خلال العام المنصرم «الأرضيّة الجهاديّة» عن كلّ المنظّمات التي عملت في لبنان، لتجيّر له الكلمة الأقوى في الساحة اللبنانيّة.

وهذا ما يظهر أيضاً في الدول التي يتمدّد فيها التنظيم بعدما تحوّل من «الدولة الإسلامية في العراق والشام» إلى إعلان «الخلافة الإسلاميّة» ومروره بشتى التحوّلات من مرحلة «الإفاقة» (بحسب استراتيجيّة سريّة كان التنظيم قد وضعها للسيطرة على العالم الإسلامي بحلول العام 2020) إلى مرحلة المواجهة الشاملة مع ما تلاها من استراتيجيّة التحرّك العسكريّ والاستقطاب.

هدف «داعش»:

الحدود البحريّة

استطاع التنظيم أن يبني هيكليّة هرميّة بخلايا عنقوديّة وأنظمة صارمة دفعت به يوماً إلى قتل مسؤوله الشرعي. واستغلّ «داعش» كل أذرعه من قواه البشريّة والأمنيّة والعسكريّة والإعلاميّة والدعائيّة والماليّة.. بهدف تثبيت صورته بمظهر القوي.

تسريب صور الوحشيّة في القتل وقطع الرؤوس والحرق.. ليس من باب التهوّر، بل من باب تأكيد قوّة نفوذه.

وعليه، فقد أسّس التنظيم لهيكليّة متماسكة ذات إيديولوجيّة متكاملة ومختلفة عن «القاعدة»، بالإضافة إلى استطاعته تأمين موارد ماليّة ثابتة وتفوّقه العسكريّ على المنظمات الإرهابيّة الأخرى.

كلّ ذلك، ضاعف من قدراته على استمالة المتشدّدين في تنظيمات إرهابيّة أخرى، وتجنيد آخرين لم يكونوا يوماً داخل أطر تنظيميّة وقدرته على التغلغل داخل بيئات محدّدة.

وكما الحال في البلدان الأخرى، كان للبنان أيضاً حصّته من «داعش».

خلال العامين المنصرمين، حاول التنظيم (كما ظهر في إفادات الموقوفين المبايعين لأميرها) إعلان إمارة إسلاميّة في أقضية لبنانيّة قريبة من الحدود اللبنانيّة. ربّما يدرك قياديو التنظيم أن تحوّل لبنان إلى «قاطع» ليس بالأمر الممكن. ولكن مراجعة سريعة لإفادات عدد من الموقوفين الذين كانوا يعملون لهذا الهدف، تشي أنّ «الدولة الإسلاميّة» لا تريد الإمارة كغاية في التوسّع الجغرافي وربط لبنان بسوريا، بل تريد «مقوّمات الدولة»: فتح ثغرة في لبنان تتيح لـ «داعش» أن تكون له حدود بَحْريَّة استراتيجيّة.

حتى اليوم، تبدو هذه الثغرة عصيّة على «داعش» لبنانياً، خصوصاً في ظلّ الضربات الأمنيّة المتلاحقة التي أفشلت مشاريع الإمارة وضربت عصب العديد من الخلايا التي أعلنت بيعتها للخليفة البغدادي.

«داعشيون» … منذ أكثر من 10 سنوات!

برز في العام 2015 اسم المتحدّث باسم «داعش» سابقاً ويعتقد أنّه يتولّى حالياً منصب والي ولاية الشام وكان يتواجد في الرقّة، أبو محمّد العدناني (هو السوري طه صبحي فلاحة) الذي يعتقد أنّه تمّ تكليفه من قبل والي الشام سابقاً أبو أيوب عبد الهادي العراقي بأن يكون المسؤول الأرفع عن الملفّ اللبنانيّ داخل الأطر التنظيميّة.

أمّا السبب في تكليف «العدناني» تحديداً هو معرفته بجزء من الملفّ اللبناني، باعتباره واحداً من بين قلّة من القياديين السوريين الذين يحملون الجنسية السوريّة، خصوصاً أن الحساسيات السوريّة – العراقيّة داخل التنظيم أدّت إلى إبعاد السوريين وتوكيل عراقيين مكانهم لكونهم «أكثر ذي ثقة»!

وقد أكّد عدد من المبايعين للتنظيم في إفاداتهم أنّهم التقوا خلال زياراتهم بـ «العدناني» لعرض شؤونهم وشجونهم، بالإضافة إلى مرور بعضهم على «أبو أيوب العراقي» و «أبو عبدالله العراقي» (كان أمير «داعش» في القلمون خلال العام 2013).

ولأنّ «العدناني» يحتاج إلى لبنانيين لمتابعة تفاصيل الملفّ اللبناني عن كثب، وقع الاختيار على القيادي في التنظيم وابن الشّمال الذي كان متواجداً في الرقة محمّد الإيعالي (مواليد 1989). وكان «أبو البراء اللبناني» يستعين لإتمام إنجازاته بوالده محمّد الإيعالي الذي كان يملك محلاً في طرابلس ويلتقي فيه عدد من عناصر «داعش».

برز اسم «أبو البراء» في غالبيّة التحقيقات مع الموقوفين الجدد الذين كلّفوا بعمليات أمنيّة داخل لبنان، ليكون همزة الوصل بينهم وبين الرقّة، بالإضافة إلى لبناني آخر هو فاروق طارق البيضا الملقّب بـ «أبو خطّاب» والذي كان موجوداً هو الآخر في الرقّة وثالث ملقّب بـ «أبو القعقاع».

«الإرهابيون الفقراء»

عرف توفيق طه، المطلوب بجرائم إرهابيّة كثيرة من عمليات تفخيخ وتزوير، كيف ينقل البندقيّة من كتفٍ إلى آخر ويتنقّل بين مجموعات إرهابيّة بهدف كسب المال، وإن كان عارفوه يعلمون بطبيعة أفكاره المتشدّدة.

أحوال طه الماديّة والفكريّة التي دفعته إلى الانضمام الى المجموعات الإرهابيّة تشبه إلى حدّ بعيد أحوال أمير «فتح الإسلام» في عين الحلوة أسامة الشهابي، البعيد عن «الأضواء الجهاديّة» في الوقت الحالي.

عندما همّ «أبو عبدالله» للانتقال من عين الحلوة إلى سوريا للقتال فيها منذ أعوام، لم يجد ما يكتبه في وصيّته ويورثه إلى عائلته سوى ثمن كلاشنكوف وأموالاً ضئيلة.. وديون!