IMLebanon

لنتجاوز بدايًة تعبير «إرهاب»

قررت صحيفة «لوموند» الفرنسية ومعها عدد من وسائل الإعلام الفرنسية عدم نشر صور منفذي هجمات دامية٬ معللة ذلك بأنه يحرم التنظيمات الإرهابية من أحد أشكال التمجيد. وترجمة هذا القرار تعني أنه في حال تكرار أي اعتداء على غرار الدهس الجماعي في «نيس»٬ أو ذبح كاهن في كنيسة في «روان»٬ فلن يتم نشر صور منفذي الجريمتين٬ أي أننا لن نرى صور «محمد لحويج»٬ ولا «عادل كرميش»٬ ولن نعرف الكثير عن سيرهما المضطربة التي أفضت إلى ارتكابهما الفظائع التي قاما بها.

لكن هل فعلاً يمكن الامتناع عن نشر صور وسير مرتكبين٬ وهل ذاك متاح أصلاً٬ خصوًصا في عالمنا المفتوح٬ بحيث يتم تداول الصور والمعلومات عبر الهواتف الذكية٬ حتى قبل نشرها في وسائل الإعلام. لربما كان مثل هذا القرار قابلاً للنقاش قبل سنوات٬ لكن في يومنا تبدو مثل هذه القرارات استسلاًما لفوضى معلوماتية هائلة عبر السوشيال ميديا. وهذا الكلام لا يستهدف جدية القرار٬ خصوًصا أن وسائل إعلام فرنسية كثيرة رفضته واعتبرته غير مجٍد. لكن هنا نعود إلى معضلة أساسية مطروحة علينا٬ وهي كيفية التعامل إعلامًيا مع اعتداءات وهجمات من ذاك النوع٬ وهذا نقاش لن يستقيم قبل أن نحسم موقفنا من تعبير «إرهاب» وتداعيات هذا الأمر لجهة التعامل الإعلامي مع المرتكبين والمواقف منهم.

لا شك أن كلمة إرهاب هي كلمة مشحونة وهناك عشرات التعريفات لها٬ فهي عبارة تستخدم لإدانة العنف الذي نستنكره وليس كل العنف. فأنُيقتَل أشخاص من جماعة أخرى نحن على خلاف معها لا يفسر دائًما بأنه إرهاب٬ ولنا في هذا أمثلة لا تحصى هنا في المنطقة٬ وفي فرنسا والغرب نجد أيًضا تلك الازدواجية. فالإدانة مطلوبة حتًما لما ارتكب من جرائم مروعة٬ لكن وصفها بأنها جرائم «إرهابية» في حين تستثنى ما ترتكبه قوات عسكرية بعينها أيًضا مقارنة ظالمة. هل يمكن وصف هجمات قوات التحالف التي أودت بحياة عشرات المدنيين في «منبج» بسوريا قبل عشرة أيام بأنها أقل من قتل مدنيين في «نيس» أو أي مكان آخر. وهل المجزرة التي ارتكبها «ساتوشي أوماتسو» في اليابان بطعن وقتل 18 شخًصا من ذوي الاحتياجات الخاصة وهم نيام عمل إرهابي أم لا؟!

لعل على الإعلام التوقف عن استخدام كلمة إرهاب٬ لأنه قد تمت إساءة تقديمها بطريقة مريعة٬ فباتت مرادًفا لتمويه الحقيقة والتلاعب بها٬ بل بات استخدامها يقدم للرأي العام مواقف وانحيازات عوًضا عن تقديم معلومات عن الحدث نفسه.

أي عمل قتل هو عمل إرهابي مهما أسبغ القاتل من أهداف سامية٬ وقضايا عادلة باسم القتل هذا٬ وبالتالي فالتعامل الإعلامي مع جريمة «نيس» أو جريمة «طوكيو»٬ أو أي جريمة أخرى يجب أن ينطلق من المبدأ نفسه. فالتعرف على قاتل ذوي الاحتياجات الخاصة في طوكيو يوازي أهمية التعرف على عادل كرميش الذي قتل الكاهن.. سيرة الرجلين والاضطرابات الهائلة التي مرا فيها هي حاجة معرفية لنا كرأي عام ولصناع القرار٬ لفهم كيف يمكن الحيلولة دون وقع جرائم مماثلة. وحدها المعرفة والمقاربة الهادئة يمكن أن تساعد على فهم ما يحصل. فالدقة والانتباه في نقل أخبار حساسة لا يعني أن يقدم الإعلام للجمهور ما يريد سماعه٬ وبالتالي ينتهي بنا الأمر بتغطية قصة غير مكتملة وغير دقيقة٬ وحينها تكون بالتالي حتًما مضللة.