IMLebanon

حزب أميركا

 

 

حزب المصرف، حزب الدولار، حزب السعودية، حزب الإمارات العربية، حزب كارهي المقاومة، حزب الفتنة، حزب معارضي سوريا… لكل هذه الأحزاب وجوهها والناطقون باسمها والمروّجون لأفكارها. وهم منتشرون في مراكز أساسية ومتعددة داخل المنظومة اللبنانية، في الدولة والمؤسسات والإدارات وفي عالمَي الاقتصاد والمال. وطبعاً في عالم الإعلام والحريات… وهؤلاء جميعاً، يفتخرون بأنهم حزب الولايات المتحدة.

 

ما نشهده، منذ أيام، يذكّرنا بواقع التصريحات السياسية في لبنان خلال مرحلة النفوذ السوري. عرفت بيروت، في حينه، إعلامياً سورياً عاش في بيروت ومات فيها، هو الصحافي الراحل متري الهامس (أبو منير). كان شيوعياً ماويّاً متشدداً، متواضعاً، دمثاً ومحبّاً، وكانت له اعتراضاته على الحكم في سوريا، ووجد صيغة حل بأن انتقل إلى لبنان وعمل مراسلاً لوكالة «سانا» الرسمية. وقد ربطته علاقات قوية بمعظم السياسيين والأحزاب. وقد اشتهر خلال مرحلة الحرب الأهلية بمسجلة صغيرة ودفتر كبير، يحملهما ويتنقّل بهما بين الاجتماعات. ولما تعرّف إلى سياسيّي لبنان وتعوّد عليهم، وصار يعرفهم بالأصل والنسب، قرر أن يختار منهم عيّنة كبيرة، ويبادر من تلقاء نفسه إلى كتابة بيانات باسمهم، وينشرها في الوكالة السورية، ثم يتصل بأصحابها قائلاً: «والله قرأت لك تصريحاً رائعاً في سانا»… كان نفوذه المعنوي كبيراً إلى درجة أنه، بعد وفاته، وفي حفل تأبيني أقيم له في بيروت، نعاه الوزير السابق مروان حمادة قائلاً: كان أميناً عاماً لكل الأحزاب!

سابقة القاضي الشجاع محمد مازح بمنع نشر تصريحات السفيرة الأميركية في لبنان، كان يتوقّع لها ردود فعل كثيرة. ولكن من أفضل ما كشفته أن بيننا من يقلّد الراحل «أبو منير». لكن شتّان بين الرجل الآدمي والعصامي، وبين «جوقة زعرور المرّ» التي لا تعرف إلا شيئاً وحيداً: قتال الأبناء والإخوة في رحلة مراضاة أميركا والسعودية، وحسم رواتب العاملين لديهم أيضاً!

تكفي مراجعة أسماء وتصريحات كل الشخصيات التي «هالها» قرار القاضي مازح، حتى تعرف أنهم، أنفسهم، ينتمون إلى أحزاب المصرف والفتنة والسعودية وأميركا وجماعات «الزحف». وبالمناسبة، فإن مِن بينهم مَن كان الراحل «أبو منير» يكتب البيانات باسمهم أيضاً. وهم من الأدلة «العلمية» الدالة على «جَبلة؛ و«طينة» سياسيين وإعلاميين واقتصاديين، لا يعرفون إلا محاباة الحاكم بأمره. وهويتهم الوطنية تتلخّص بمصالحهم، وهم ــــ للأمانة ــــ أثبتوا قدرة هائلة على النجاة في كل العهود وكل العصور السياسية، وهم أنفسهم الذين قرروا تقدم الصفوف في انتفاضة 17 تشرين، قبل أن يأخذوا على مجموعاتها أنها ضعيفة ومن دون قيادة، و«خاضعة لإرادة يساريين حاقدين يريدون تغيير صورة لبنان»!

لكن من المهم، أيضاً، تذكير من خانته الذاكرة بحقيقة موقف الدبلوماسيين الغربيين والعرب من هؤلاء السياسيين. طبعاً لن نجد تصريحاً رسمياً بذلك، وإذا أتى أحدنا على نقل كلام قاله هذا الدبلوماسي أو ذاك، فسيصدر النفي فوراً. لكنّ هؤلاء يحتقرون هذا الصنف من السياسيين. هل تعرفون أن السفيرة الأميركية السابقة، إليزابيت ريتشارد، قالت قبل مغادرتها لبنان إن «وقتنا يضيع مع هؤلاء السياسيين، ومشكلتي في لبنان أن السياسي الوحيد الذي كنت أطمح إلى الاجتماع به، هو الذي لا يمكنني الاجتماع به، إنه الأمين العام لحزب الله، حيث يمكنني مناقشة أمور جدية من دون القيل والقال»… وموقف ريتشارد يمكن العثور عليه في وثائق السفارة الأميركية في بيروت (ويكيليكس) حيث كان السفراء يختمون برقياتهم بتعليقات خاصة، فيها الكثير مما يدلّ على نظرة الأميركيين إلى هذا الحشد التافه.

 

اذا كانت مصلحة واشنطن تتطلّب الفتنة، فماذا يتوقّع جماعتها في لبنان من نتائج حتى يتورّطوا في هذه اللعبة؟

 

 

طبعاً، الصورة ليست هي نفسها عند السفيرين السعودي والإماراتي. يحتاج الرجلان إلى من يهتمّ بأمرهما قليلاً. مناغشة وشعر في مدح الأمير (الدبّ الداشر ما غيره) وكثير من القيل والقال، وهما لا يهتمان أصلاً بكتابة التقارير. سبق لنا في «الأخبار» أن نشرنا برقيات هذه السفارات، وهي لا تشبه بعضها البعض بتاتاً، بل هي أقرب الى «كشكول» يكتبه كتبة التقارير أنفسهم الذين يعملون مخبرين لدى السفارتين، ولطالما حفلت البرقيات بأخبار «لا تركب على قوس قزح»، مثل برقية سعودية تحدثت عن أن «حزب الله يبني قاعدة عسكرية في منطقة بشري ذات الغالبية السنية»، على قاعدة أن «الخسن والخسين بنات مغاوية»…، لكن الأهم في كل جلسات السفيرين السعودي والإماراتي، تعبيرهما عن «ضيقهما» من «الشحادين؛ الذين لا يتركون اجتماعاً من دون إنهائه بورقة مطالب، حتى إن سياسياً ضحوكاً من جماعة 14 آذار قال رداً على هذا الأمر: وهل زرتهما لأستلم نسختي عن مؤلفاتهما عن حسن الإدارة واحترام حقوق الإنسان؟

المهم، أن ما حصل في الساعات الـ 24 الماضية يعيد الجميع إلى صورته الحقيقية. الله على هذا الغضب، لأن قاضياً اجتهد وفق ما يتيح له القانون، وخلص إلى أنه لا يجوز نشر تصريحات سفيرة أميركا التي تحضّ على الفتنة في لبنان… ماذا في الأمر؟ هل كذب الرجل، أم أنكم لا تنامون من دون سماع موسيقى عوكر، أم أنكم تعطون الإذن من الآن فصاعداً كي يخرج سفراء إيران وسوريا وكوبا وفنزويلا لإعطاء الدروس لكم، واحداً واحداً، حول المعنى الحقيقي للسيادة؟ أم أنكم تعطون الإذن للسفير الصيني ليفتح لكم مدرسة تعلّم أصول الاستقلال الاقتصادي والاتّكال على الذات؟ أم تنتظرون دورة تدريبية جديدة في أصول الفكر السياسي الحديث ستفتح لها صفوف في سفارات أميركا وفرنسا وبريطانيا؟

لندعِ المزاح جانباً. ما حصل ليس مصادفة على الإطلاق. ما يحصل هو اضطرار الجانب الأميركي إلى العمل المباشر وبيديه، لرفع معنويات فريقه في لبنان، وحثّه على القيام بما يتناسب والأجر المدفوع. ولأن المواجهة تقترب من لحظات حاسمة، يجد الأميركيون ومعهم حلفاء من السعودية والإمارات وإسرائيل، وآخرون في لبنان، أنه لا بد من التحريض المباشر على المقاومة وعلى كل من يدعمها، ومن التهديد الصريح، بلا لفّ ولا دوران، بأنّ على اللبنانيين الانتفاض على المقاومة حتى يحصلوا على فتات العيش تحت خيمة الغرب المزدهر والحر، وهذا ما جعل الجانب الأميركي (وزير خارجية ومساعدين وسفراء) يطلقون، في أسبوع واحد، سلسلة من التصريحات العلنية المهددة للبنان، ويعقدون الاجتماعات غير المعلنة في لبنان والخارج ليحذّروا «كلّ من تسوّل له نفسه» التفكير بمساعدة لبنان، من أن قرار ضربه اقتصادياً واجتماعياً وحتى أمنياً دخل مرحلة التنفيذ بسبب عجز كل المحاولات السابقة عن ضرب المقاومة.

حسناً. يفعل الأميركيون ذلك وهم يحتاجون إليه فعلاً. هم دخلوا في مرحلة صراع داخلي حول كيفية التعامل مع ملف الشرق الأوسط برمّته. ولا استراتيجية لهم ولا من يحزنون (فائدة كتاب جون بولتون أنه يثبت الرأي حول عدم وجود استراتيجية أميركية واضحة، بقدر ما هناك رغبات وتقلبات. والثابت الوحيد فيها هو مصالح إسرائيل في المنطقة). وها هي أميركا تدخل انتخاباتها الرئاسية، وسيكون الشرق الأوسط ــــ ومن ضمنه لبنان ــــ منصة لإطلاق مواقف تخصّ السياسات الخارجية لهذه الدولة الراعية لكل أنواع الإرهاب. وبالتالي، إذا كانت أميركا تحتاج إلى هذه الحرب الآن، فما الذي يجعل المهلّلين لسفيرتها في لبنان يتحمّسون إلى هذه الدرجة؟

هل يعتقدون أن الولايات المتحدة ستعمل في خدمتهم؟ وهل يجدون أن الضغوط والحصار تصيب حصراً المقاومة أو مناصريها؟ وهل يصدّقون فعلاً أن خزائن أميركا والسعودية والإمارات ستفتح لهم من أجل مزيد من الاستدانة والاستهلاك العشوائي والتعويض عن الكسل وقلّة العمل والإنتاج؟ هل يعتقد هؤلاء أن همروجة من التصريحات والمواقف ستقلب المشهد في لبنان، وسنجد قادة المقاومة يتوسّلون إليهم الرأفة ومسامحتهم؟ والأهم: هل تتحمّل أميركا وجماعتها في لبنان صفعة واحدة متى اقتضى الأمر؟ قليل من التواضع يا شباب!