الزيارات الملغومة

 

السؤال الذي يطرح ذاته بإلحاح: ماذا يأتي يفعل وزير الخارجية الايراني في لبنان؟ وما هو الهدف من هذه الزيارات المكثّفة التي يخصّنا بها النظام الايراني فلا تكاد تمرّ أيام معدودة وما نكاد نودّع مسؤولاً إيرانياً حتى يطل مسؤول آخر.

 

فهل يأتي الوزير محمد جواد ظريف ليقول إنّه سمح لـ»حزب الله» بأن يفرج عن الحكومة بعد طول احتجاز؟ وفي هذه النقطة فإننا نشكره على السماح بتشكيل الحكومة… ولكن الى هذا الحد، وليس أكثر!

 

ونقصد بِـ»الأكثر» ما يكرره أركان النظام الايراني بدءًا بالولي الفقيه خامنئي من أنّ إيران تسيطر على أربع عواصم عربية هي بيروت ودمشق وبغداد وصنعاء! وهذا الكلام بقدر ما فيه من استفزاز وتدخل فاقع في شؤون لبنان، والبلدان الثلاثة الأخرى، إنما يدل على أنّ طهران ذات أطماع موصوفة في البلدان العربية كلها… وما الكلام على المساعدات وعلى دعم القضية الفلسطينية التي سرقوا شعاراتها وتاجروا بها ولا يزالون منذ 40 سنة… ما هذا الكلام سوى «بروباغندا» فارغة من أي مضمون في الواقع الملموس.

 

ويعنينا، بصورة خاصة، كلامهم عن بيروت، ونود أن نقول لهم: تعلّموا من التاريخ، إذ يبدو لنا أنّ المسؤولين الايرانيين لم يقرأوا التاريخ جيداً، التاريخ القديم والحديث… وإذا كانوا قد قرأوا تاريخ لبنان فقد فاتهم أن يتعلموا منه وأن يأخذوا بعبره الكثيرة.

 

هل تمعّن نظام الملالي في إيران بما سبقه إليه الاسرائيليون الذين حاصروا بيروت مئة يوم وعندما غزوها ولم يستطيعوا أن يصمدوا فيها إلاّ ثلاثة أيام وحسب، انسحبوا بعدها تمهيداً لانسحابهم الأكبر من لبنان في 25 أيار من العام 2000 مهزومين، يجرّون أذيال الخيبة من دون أن يحصلوا من هذا البلد على قصاصة ورق واحدة تعطيهم شرعية أو امتيازات… ولا حتى مجرّد كلام عن سلام أو صلح أو!..

 

وهل اطلع نظام آيات الله في إيران على تجربة المنظمات الفلسطينية في لبنان… هذه المنظمات، خصوصاً منظمة التحرير بقيادة ياسر عرفات، فرضت «دولتها» في لبنان بقوة السلاح، وضلّت الطريق الى فلسطين، فقررتها عبر جونيه! وماذا كانت النتيجة؟ كانت ضرراً كبيراً وبداية ما تلقته قضية فلسطين من ضربات موجعة بسبب سوء التصرّف، وبسبب التمادي في التجاوزات بحق لبنان وسيادته خصوصاً بحق شعبه… الى أن وجدت القيادات الفلسطينية، وفي طليعتها عرفات نفسه، انها مضطرة الى مغادرة لبنان (بحراً) في مشهد مؤلم.

 

وليت النظام الايراني يقرأ جيداً في كتاب الوجود السوري في لبنان ليتبيّـن له أنّ القرار 1559 عن مجلس الأمن الدولي في الثاني من شهر أيلول 2004، وجد النظام السوري نفسه مجبراً على تنفيذه في العام التالي (2005) إثر جريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري، وأبرز ما في هذا التنفيذ أنّه تمّ بعدما كان نائب رئيس النظام السوري فاروق الشرع قد صرّح أنهم غير معنيين بالقرار… ليعلنوا عشية التنفيذ أنهم ملتزمون بالقرار!

 

ويمكن الرجوع الى التاريخ من الاسكندر المقدوني الى الانتداب الفرنسي وما بينهما من جحافل وقوى وأمم وامبراطوريات مرّت في هذا البلد ولم تستطع أن تكسر شكيمة هذا الشعب الذي بقي ينشد الحرية ويستشهد في سبيل القرار الحر.

 

وبعد، فإذا كان محمد جواد ظريف يجهل هذه الحقائق التاريخية، يتوجب على معاونيه أن يزوّدوه بها علّه يعتبر ويدرك أنّ إيران لن تستطيع أن تحكم لبنان حتى ولو كان لها وكيل في هذا البلد فاعل وقادر بفضل سلاحه، هو «حزب الله».

 

وإذا كان وزير الخارجية الايراني يزورنا لكي يروّج لسلاح مزعوم يقدّم الى الجيش اللبناني، فنكرّر له النصيحة التي وجهناها، أمس بالذات، الى طهران وربيبها «حزب الله»، فنقول باختصار: بادروا بالتصدّي لإسرائيل التي تقصفكم وتقتلكم في سوريا، قبل أن تطلعوا علينا بنظرياتكم وعروضكم الملغومة.