IMLebanon

واشنطن تطور سياساتها السورية

ساد طوال معظم سنوات الصراع السوري موقف أميركي ملتبس في القضية السورية٬ إذ راوح الموقف بين إدانة نظام الأسد والقول بنهايته ورحيل رأس النظام٬ وفكرة الحل السياسي الذي يتضمن بقاء النظام ورأسه٬ ولو في خلال المرحلة الانتقالية. ولم يكن هذا الالتباس محصوراً بالمواقف المعلنة٬ بل تجاوزها للتعبير عنه في الممارسة السياسية والإجرائية٬ إذ لم تقم الإدارة الأميركية باتخاذ أي إجراءات من شأنها التأثير بصورة عملية على مجريات الأحداث السورية٬ وتحديد آفاق نهاياتها في أي اتجاه كان٬ باستثناء فرصة إدامة الصراع في سوريا وحولها.

ولا يحتاج أي متابع لتطورات القضية السورية إلى جهد في استحضار تجليات التباس السياسة الأميركية في سوريا٬ فهي أكثر من أن تعد وتحصى٬ كما لا يحتاج إلى إثبات قول: إن الالتباس الأميركي كان بين أسباب استمرار الصراع في سوريا وحولها٬ وتطوره إلى الدرجة التي صار إليها باعتباره صراعا في ثلاثة مستويات٬ أحدها صراع داخلي٬ وآخر إقليمي٬ وثالث دولي٬ تداخلت تفاصيلها لتجعل القضية السورية بمستوى من التعقيد٬ ربما لم تبلغه قضية في التاريخ الحديث.

لقد امتنعت الإدارة الأميركية وبخلاف ما درجت عليه في سياساتها الدولية عن التدخل الفاعل في القضية السورية في المستويين السياسي والعسكري. بل هي منعت حلفاءها في المنطقة من التدخل٬ وقد سرى الأمر نفسه على سياسة الغرب الأوروبي وخاصة فرنسا وألمانيا وبريطانيا بدرجة أو أخرى٬ ومنعت واشنطن قوى المعارضة السورية المسلحة٬ وخاصة القوى المعتدلة من الذهاب نحو إسقاط نظام الأسد.

وزادت على ما سبق٬ أن أعطت هوامش حركة لخصومها في القضية السورية للعمل في سوريا وحولها٬ وخاصة لجهة السماح لروسيا بالتدخل العسكري المباشر لحماية نظام الأسد من الانهيار في أواخر العام 2015 .ثم أعطتها تفويضاً لدور فاعل في الحراك الدولي سعياً لإيجاد «حل سياسي» رغم أن موسكو طرف رئيسي في الصراع السوري٬ ومنحت هامشاً لإيران خصمها الإقليمي الرئيسي في الشرق الأوسط بالسكوت على تدخلاتها العميقة وخاصة السياسية والعسكرية لدعم نظام الأسد وحمايته من السقوط٬ وعززت قدرات إيران من خلال الاتفاق النووي٬ وصمتت عن سياسات وممارسات ميليشيات إيران الدموية ولا سيما في العراق وسوريا٬ وتناست تصنيفها لـ«حزب

الله» اللبناني بأنه منظمة إرهابية٬ ولإيران بأنها بين الدول الداعمة للإرهاب في العالم.

وإذا كان ما حصل٬ يجسد خلاصة السياسة الأميركية في عهد الرئيس أوباما٬ فإن مراهنات ظهرت حول تغييرات في الموقف الأميركي من الصراع في سوريا وحولها بعد وصول دونالد ترمب إلى البيت الأبيض الأميركي٬ ولعل الأبرز في مؤشرات التغييرات٬ انتقال أميركي من الحديث عن إرهاب إسلامي يقتصر على «داعش» و«القاعدة» إلى الحديث عن إرهاب يشمل أيضاً الجماعات الإرهابية الشيعية٬ ولئن كان المقصود بها أساساً «حزب الله» اللبناني٬ فإنها سوف تمتد لتشمل الجماعات التي ترعاها إيران٬

والنقطة الثانية في مؤشرات التغيير٬ تكمن في الموقف من إيران وسياستها ومواقفها في المنطقة إضافة إلى الاتفاق النووي معها٬ وكلها شهدت تصعيداً أميركياً في الأشهر الأخيرة٬ والنقطة الثالثة في مؤشرات التغيير٬ يمثلها التبدل في الرؤية الأميركية للسياسة الروسية في سوريا٬ ولعل النقطة الأساسية في هذا التبدل هي إنهاء التفويض الضمني الأميركي لموسكو في القضية السورية٬ والانتقال إلى دور الشراكة٬ والذي يحمل في طياته بذور تمايز أميركي – روسي٬ أخذت ملامحه في الظهور مع القرار الأميركي بنشر وحدات عسكرية أميركية جديدة في سوريا وبعض بلدان المنطقة٬ وهذه نقطة رابعة في مؤشرات التغيير الأميركي إزاء الصراع في سوريا وحولها.

إن أهمية النقطة الأخيرة٬ تكمن في محتواها أكثر مما تتعلق بعدد الجنود الأميركيين الذين تم نشرهم في سوريا٬ والتي ستدعم بنشر قوات أخرى في الكويت٬ وهي نقطة تعني بمدلولاتها ثلاثة أمور رئيسية٬ أولها توفير وجود عسكري أميركي مقاتل مباشر وآخر محتمل على الأراضي السورية٬ بعد أن كانت بواكير هذا الوجود مستشارين وخبراء٬ يدعمون قوات سوريا الديمقراطية التابعة لحزب الاتحاد الديمقراطي الكردي٬ والثانية٬ انتظام هذه القوات في إطار القوى المستعدة للمشاركة في تحرير الرقة من تنظيم داعش٬

والنقطة الثالثة٬ قيام هذه القوات بدور العازل بين القوى المتصارعة والمحتشدة في منبج ومحيطها٬ لمنع تصادمها٬ وتوجيه الجهود ضد «داعش» في المعركة المنتظرة٬ وبالنتيجة فإن تصعيد الوجود العسكري الأميركي في الشمال السوري٬ سيفرض تغييرات مباشرة على خريطة القوى هناك وعلى علاقاتها٬ بما يعزز الدور الأميركي الذي تسعى واشنطن لإعلان محتواه وتفاصيله في وقت قريب لرسم مستقبل الصراع في سوريا وحولها٬ والذي بدأ بإعلان العمل لإقامة ثلاث مناطق آمنة في سوريا٬ وصولاً إلى انتشار القوات الأميركية في الشمال السوري٬ التي تمثل حلقة مهمة في المسار الأميركي الجديد في سوريا