IMLebanon

أيّ رئيس للجمهويّة بعد غزة؟

 

 

قد يفترض بنا تذكير “المسيو” جان ـ ايف لودريان بما قاله “الشيطان الأعرج” شارل تاليران، الأسقف والجنرال والديبلوماسي، وهو في طريقه الى مؤتمر فيينا (1815 ) الذي أعقب هزيمة نابليون بونابرت، وذلك لصياغة خارطة جديدة للعلاقات ـ بما في العلاقات الأخلاقية ـ بين الدول الأووبية. قال “لا أذهب الى هناك، وأنا أحمل الصليب المكسور على كتفي”.

 

قال أيضاً ان “صوت الديبلوماسي الخافت يجب أن يكون أعلى من قعقعة السلاح”،  وأن لاحظ أن “ما بعد الدم ليس كما قبل الدم”. هل يعني ذلك أن الشرق الأوسط، وبعد طوفان الدم في غزة سيبقى اياه ، كذلك لبنان أيضاً ؟ لا بد أن يكون شيء ما قد تغّير. الأيام تظهر ذلك…

 

لودريان قال انه زارنا كمبعوث للجنة الخماسية. وسط هذا الضجيج، وحيث أصوات المجانين في “اسرائيل” تهدد وتتوعد، جاءنا بيدين خاويتين، وبأفكار تشير أنه آت من المريخ، لا من بلد يقول بالتداخل الجيوستراتيجي بين الشرق الأوسط والقارة العجوز.

 

لكن الصحف الباريسية وصفته بـ “المبعوث الرئاسي”. هذا ما يجعلنا نتساءل عن السبب في ذلك التعثر، بل والتخبط، الذي تعاني منه الديبلوماسية الفرنسية، بعدما انضوى ايمانويل ماكرون  تحت المظلة الأميركية، بالرغم من الضربات على الرأس التي وجهتها الادارات المتعاقبة على بلاده. قيل انها “عقدة النورماندي”، هذا ليس صحيحاً ، شارل ديغول ألقى بالقفاز في وجه أميركا…

 

هل تصور “المسيو” لودريان أن بامكان القادة اللبنانيين أن يقولوا شيئاً  أو أن يفعلوا شيئاً، في ظل تلك الضبابية الدموية التي تغطي المنطقة، لكي يضع على الطاولة أسئلة تتعلق برئاسة الدولة، وبتنفيذ قرار مجلس الأمن الدولي رقم 1701، كما لو أن لبنان هو الذي يحتل “أراضي اسرائيلية” لا العكس.

 

الفراغ ليس فقط في قصر بعبدا، وليس فقط في أي موقع قيادي آخر، وانما في الدولة التي تعاملت معها المنظومة لا بمنطق رجال الدولة، وانما بمنطق قطاع الطرق. هذا ما يجعلنا نتساءل ألا يعرف الاليزيه ذلك؟ لنتساءل أيضاً أين دور فرنسا في العالم، ليكون لها دور في الشرق الأوسط؟  وأين دوها في الشرق الأوسط ليكون لها دور في لبنان، الذي لا نتصور أنه على أجندة دول اللجنة الخماسية؟

 

كلبنانيين، شغفنا قديم بالارث الثقافي الفرنسي. فرنسا في عهد ايمانويل ماكرون تبدو وكأنها ليست فرنسا. تذكرون ما كان موقفه من عملية “طوفان الأقصى”، وهو الذي لم يرف له جفن حيال السياسات الهمجية الاسرائيلية، ان في الضفة أو في القطاع.

 

كل ما يجري في الضوء أو في الظل يشير الى أن أميركا في حال ضياع. المثير أن يقول السناتور بيرني ساندرز “لكأننا أمام مصير جو بايدن وبنيامين نتنياهو”. هنا الأولوية لمصلحة أميركا أم هي لمصلحة “اسرائيل”…

 

من يتكلمون على الساحة الشرق الأوسطية ـ وعلى الساحة اللبنانية ـ هم الأميركيون والسعوديون والايرانيون، (ناهيك بالقطريين والأتراك). قادة فرنسا وبريطانيا سلموا حتى مفاتيح دولهم لـ”الاله الأميركي”. من سنوات طويلة قال فرنسوا ميتران ان الأميركيين يريدون للتاريخ أن يمشي على ساق واحدة، قبل أن يطلق فرنسيس فوكوياما نظريته حول نهاية التاريخ ونهاية الايديولوجيا، لتتقاطع مع نظرية صمويل هانتنغتون حول صدام الحضارات، كمؤشر على الصراعات الأبدية.

 

منذ الجولة الأولى للودريان، حذّر وزير الخارجية السابق أوبير فيدرين من “رقصة الفالس مع الأشباح”. رقصة الفالس مع الأشباح أم مع الآلهة؟

 

مثلما جاء فارغاً يعود فارغاً. لبنان كله في حال الفراغ. اقتراح سريالي حول “الخيار الثالث”،  كما لو أن فرنسا، العضو في اللجنة الخماسية، لا تدري أين وكيف يصنع رئيس الجمهورية اللبنانية، في أي مكان آخر غير لبنان.

 

لكنه لبنان ما بعد غزة، ولكنه رئيس ما بعد غزة. الأداء الاسطوري هناك لا بد أن يحدث تغييراً في المشهد.

 

الكلام الفرنسي عن القرار 1701 يفترض أن يقال في “تل أبيب” لا في بيروت. هل يتجرأ ماكرون على طرح هذه المسألة أمام “الاسرائيليين” الذين رفضوا تنفيذ بنود أساسية في القرار (من بينها اتفاق وقف النار).

 

أيها االرئيس ماكرون. شارل ديغول لم يحمل على كتفه الصليب المكسور، على قبعته صليب اللورين، وأنتَ تعلم ما صليب اللورين…!