IMLebanon

ترامب والقراءات البسيكولوجية  بدل الايديولوجية والاستراتيجية

لا شيء أخطر على المنطقة والعالم من وضع أميركي خطر. والوضع الذي جاء بدونالد ترامب الى البيت الأبيض مأزوم وخطر وخطير. والرئيس الذي يحتل أقوى منصب في العالم ليس مجرد رجل بل ظاهرة يصعب انهاؤها بالاعتراض في الشارع أو باجراءات معقدة في الكونغرس أو بقول ستالين: لا رجل، لا مشكلة. لكن ترامب يبدو مرنا حيال تغيير مواقفه عند الاصطدام بوقائع صلبة ومواقف قوية معاكسة في الداخل والخارج. والسبب ان مواقفه ليست مبنية على دراسات ورؤية للمصالح الحيوية وتقدير للمخاطر وردود الأفعال لدى الآخرين. وهي تفتقر الى خطط عملية لتنفيذها.

والبارز حتى الآن هو تغيير المواقف في ثلاثة مواقع أساسية. أولها التراجع تحت ضغط الداخل وآليات الضبط والتوازن في النظام عن الانبطاح أمام الرئيس فلاديمير بوتين. وثانيها التسليم بسياسة صين واحدة مكرّسة من أيام نيكسون بعد محاولة اللعب بها والتلاعب مع رجل الصين القوي الرئيس جيبينغ. وثالثها ايفاد نائبه مايك بنس لتطمين الأوروبيين الى تمسك أميركا بالتزاماتها حيال الحلف الأطلسي وحرصها على الشراكة مع الاتحاد الأوروبي، بعدما وصف الناتو بأنه حلف متقادم وحرّض بلدانا على الخروج من الاتحاد الأوروبي كما فعلت بريطانيا.

ولا أحد يعرف ان كان ترامب سيتراجع عن موقفه المتشدد حيال ايران، أو يضع خطة لتنفيذ تهديداته. فكل شيء يتوقف على الموازنة بين مصالح واشنطن وحلفائها وبين تقدير القوة في موقف طهران. واذا بقيت المواقف العربية والفلسطينية ضعيفة، فان من الصعب ان يتراجع ترامب عن التخلي، حتى نظريا، عن حلّ الدولتين.

لكن القراءات الأميركية في حال البيت الأبيض تجاوزت الاطار الايديولوجي والاستراتيجي الى الاطار البسيكولوجي. فالدعوات تتوسّع الى فحص قوى ترامب العقلية. الدكتور جون غارنر يرى في ترامب نرجسية مؤذية. مارين سومرست ويب تصف في الفايننشال تايمس ترامب بأنه غريب مخالف ومتوحّد. وعشرات الأطباء النفسيين يعلنون عدم أهليته للرئاسة.

وليس هناك شيء اسمه حقائق بديلة حسب التعبير الذي استخدمته كيليان كونواي مستشارة ترامب. فهي مجرد اسم مستعار للأكاذيب. والمؤرخ البريطاني سيمون شاما يحذر من ان اللامبالاة حيال التمييز بين الحقائق والأكاذيب هي الشرط المسبق للفاشية.

وكل شيء يعيد تذكيرنا بقول المفكر السعودي الراحل عبدالله القصيمي ان الحكام مرضى يعالجون أنفسهم بتطبيب الشعوب. فلا ترامب هو الحاكم الوحيد المريض عقليا. ولا العالم العربي، سليم من أمراض الحكام وأغراضهم وهربهم حتى من معالجة أنفسهم الى فرض تمجيدهم وتمسكهم بالسلطة حتى الموت كعلاج لتطبيب الشعوب.