IMLebanon

خفض أسعار الفوائد الأوروبية: لا أثر يذكر على لبنان

Akhbar
فراس أبو مصلح

لم يكن مفاجئاً بالنسبة إلى العديد من المراقبين قرار البنك المركزي الأوروبي، أول من أمس، بتخفيض سعر فائدة الإيداع إلى -0.1%، وسعر إعادة التمويل الرئيس إلى 0.15%، وسعر الإقراض الطارئ إلى 0.4%. فالمصرف المذكور يواجه منذ أواخر العام الماضي على الأقل خطر سقوط منطقة اليورو في انكماش حاد لأسعار السلع والخدمات deflation. يقلل عدد من الخبراء من انعكاس قرار المصرف المركزي الأوروبي على الاقتصاد اللبناني، رغم أن الاتحاد الأوروبي أكبر الشركاء التجاريين للبنان، وأن قسماً كبيراً من التعاملات اللبنانية في الأسواق المالية تجري في أوروبا.

بلغ معدل نمو الناتج الأوروبي 0.2% في الفصل الأول من هذا العام. فقد نما الناتج في ألمانيا بمعدل 0.8% (بمعدل سنوي قدره 3.3%)، ولكن الاقتصادين الفرنسي والإيطالي (الثاني والثالث في أوروبا من حيث الحجم) كان أداؤهما سيّئاً، فقد أصيب الاقتصاد الفرنسي بالركود (نمو حوالى 0%)، وتقلص الاقتصاد الإيطالي بمعدل -0.1%. وبلغ معدل التضخم 0.7%، في حين تعتبر المصارف المركزية عادةً أن معدل التضخم «الصحي» هو 2%، ما يثير المخاوف من الانزلاق إلى انكماش حاد في معدل الأسعار، الأمر الذي يعتبره غالب أبو مصلح، الباحث الاقتصادي والمدير السابق في مصرف لبنان، «كارثة، خاصة بالنسبة إلى الدول الأوروبية ذات المديونية العالية، كاليونان وإيطاليا وإسبانيا وقبرص، إذ إنه يرفع القيمة الحقيقية للدين، ويرفع كلفة الدين».
أطلقت الأزمة الاقتصادية العالمية عام 2008 سباقاً لخفض سعر صرف العملات، بينما تمسّك المصرف المركزي الأوروبي بسياسة محافظة نسبياً، فارتفع سعر صرف اليورو نسبةً إلى الدولار بمعدل 6% عام 2013، وذلك يعود إلى حد كبير إلى سياسة التيسير النقدي quantitative easing التي اتبعتها الولايات المتحدة، ما أثّر سلباً في تنافسية السلع الأوروبية، ودفع إلى اختلال الميزان التجاري بين الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة الأميركية لمصلحة الأخيرة، يشرح أبو مصلح. حاول المصرف المركزي الأوروبي التصدي لمنحى الانكماش، فخفض فائدة إقراضه في تشرين الثاني الماضي من 0.5% إلى 0.25%، لكن التضخم ظل منخفضاً، وظل خطر السقوط في دوامة انكماش الأسعار مخيّماً، فعاود المصرف خفض الفائدة على الإقراض إلى 0.15%، ثم خفض سعر الفائدة على ودائع الليلة الواحدة overnight إلى -0.1% (كما فعلت الدنمارك خلال السنتين الماضيتين)، فأصبحت المصارف المودعة تدفع كلفة على إيداع الأموال لدى المصرف المركزي الأوروبي، بدل جني الفوائد، ما يحفزها على تجنب الإيداع لدى المصرف المركزي عبر زيادة الإقراض، وبفوائد منخفضة، ما يُفترض أن يؤدي إلى تحفيز الاستثمارات وبالتالي رفع معدل الأسعار. يرجّح أبو مصلح أنه إذا لم تحقق السياسة هذه أهدافها، فسيتم اللجوء إلى سياسات «أكثر حدة»، أهمها التيسير النقدي، أي ضخ الأموال في السوق، عبر شراء المصرف المركزي الأوروبي لسندات دين دول الاتحاد الأوروبي، وتخفيض شروط الإقراض للبنوك والمؤسسات الأوروبية، أي «تقبّل تحمّل مخاطر أعلى للإقراض».
انخفاض سعر اليورو بنسبة بسيطة تبلغ حوالى 0.3%، بعد إعلان قرار المصرف المركزي الأوروبي خفض أسعار الفائدة، ليس ذا أثر كبير على أسعار البضائع الأوروبية المستوردة إلى لبنان، في حين أن صادرات الأخير إلى أوروبا «ضئيلة نتيجة الاتفاقية التجارية مع الاتحاد الأوروبي، والتي تشرّع أسواقنا لأوروبا، بينما تبقي السوق الأوروبي مقفلاً نسبياً أمام صادرات السلع والخدمات اللبنانية»، بحسب أبو مصلح الذي يرى أن زيادة السيولة لدى المصارف والمؤسسات الأوروبية يمكن أن تؤدي إلى تدفقات رأسمالية توظيفية إلى لبنان، في حال استقر الوضع الأمني ــ السياسي فيه.
يرى الباحث الاقتصادي والوزير السابق شربل نحاس أن درجة تأثر لبنان بقرار المصرف المركزي الأوروبي محدودة، فـ«عملتنا مربوطة بالدولار وليس اليورو»، يقول نحاس، موضحاً أن الغالبية العظمى من سندات الدين بالدولار، ما خلا حوالى إصدارين باليورو، تشكل أقل من 10% من سندات الدين. يستبعد نحاس أن تزيد الفاتورة الاستهلاكية للبضائع الأوروبية في لبنان، ويرجح أن يؤدي قرار «المركزي» الأوروبي إلى «لجم ارتفاع الأسعار» في لبنان. ويدعو نحاس إلى «استغلال الظرف الاستثنائي» المتمثل في انخفاض الفوائد إلى «مستوى غير مسبوق»، وذلك بالقيام باستثمارات بكلفة الأموال المتدنية هذه؛ غير أن «قصر النظر الاستثنائي» لدى صناع القرار يحول دون ذلك، يقول نحاس مستدركاً.
«لا تأثير كبيراً» لخفض أسعار الفائدة في أوروبا على لبنان، يقول غسان ديبة، رئيس قسم الاقتصاد في الجامعة اللبنانية الأميركية. لا تهدف سياسة المصرف المركزي الأوروبي إلى تخفيض سعر صرف اليورو، ما قد يؤدي في حال حصوله إلى تدهور شروط تجارة لبنان مع الاتحاد الأوروبي، بل تهدف السياسة إلى زيادة التسليفات، يطمئن ديبة.