لن نخوض في حيثيّات الدعوى التي أقامها النائب هاني قبيسي ضد رئيس جمعية المصارف فرنسوا باسيل، متّهماً إيّاه بالتشهير بالنواب ومطالباً إيّاه بالاعتذار علناً لإتّهامه السياسيّين بالفساد، بل نترك أمر هذه الدعوى للمرجعيّات القضائية ولكن فلنتوقّف عند بعض الحقائق سواء في ما يتعلّق بجمعية المصارف أم بشخص رئيسها:
أولاً : في ما يخصّ القطاع المصرفي والجمعية
1 – في غمرة السجال الدائر منذ أشهر حول سلسلة الرتب والرواتب، انبرت بعض الأوساط لتشنّ حملة افتراء ضد القطاع المصرفي متّهمةً إيّاه زوراً بأنه هو مَن يعرقل إقرار السلسلة. والواقع أن المصارف لا تتولّى لا السلطة التنفيذية ولا التشريعية في البلاد، بل الحكومات المتعاقبة والمجلس النيابي. فليست المصارف هي التي أجّلت بتّ هذا الملفّ الى أن تفاقمت الأوضاع بحيث صارت أرقام السلسلة المتداولة ذات انعكاسات خطرة على مالية الدولة.
2 – أوضح القطاع المصرفي أنه مستعدّ للمساهمة في تمويل السلسلة، ليس فقط بقدر القطاعات الأخرى، إنما أكثر من سواه، فالمصارف وحدها تساهم أصلاً بـ37 % من الضرائب المحصّلة على الأرباح في البلاد، لكنّ القطاع يرفض أن تتسبّب المزايدات السياسية بخنقه وبإهدار الجهد الذي بذله طوال عقود لتأمين مناعة وسمعة مؤسساته عبر قرارات متهوّرة، يتّخذها أشخاص فشلوا في إدارة المؤسسات. فالمصارف التي صمدت في وجه أشدّ أزمة عالمية أسقطت بالضربة القاضية بعض أكبر المصارف في العالم، لن تسمح بأن تُسقطها بالنقاط بعض القوى السياسية المتهوّرة على الساحة الداخلية.
3 – عام 2013، صرف أكبر 30 مصرفاً في أوروبا 40 ألف موظف بسبب الأزمة المالية بينما كانت المصارف في لبنان تزيد عدد موظفيها بمعدل 3% سنوياً، أي أنها تؤمّن 700 فرصة عمل.
4 – تساهم المصارف في تمويل القطاعات الاقتصادية، لكنها تساهم خصوصا في إعادة تكوين الطبقة الوسطى بفضل العديد من انواع القروض التي تشكّل الركيزة الأساسيّة للاقتصاد.
5 – لسيادة كل دولة بمفهومها الشامل 3 ركائز: العملة الوطنية (رمز السيادة النقدية والمالية)، القضاء (رمز السيادة القانونية) والجيش والقوى الأمنية (رمز السيادة العسكرية). ومن هذا المنطلق، اتّخذت جمعية مصارف لبنان مبادرات سخيّة ترمي لتعزيز هذه المقومات لسيادة لبنان.
وعشية مثول باسيل أمام المدّعي العام، تسلّم وزير الداخلية من مجلس إدارة جمعية المصارف شيكاً بمليون دولار مساهمةً في إعادة بناء السجون كجزء من مواجهة الإرهاب.
من مفارقات هذا الزمن الرديء أن هيئة اقتصادية كهذه يتعرّض رئيسها للملاحقة القانونية من أحد نواب الأمة!
ثانياً : في ما يخصّ شخص فرنسوا باسيل
بصرف النظر عن سمات باسيل الخلقيّة وكفاياته المهنية في عالم المال والأعمال، وعن مساهماته المالية في خدمة عدد من المشاريع ذات المنفعة العامة في مختلف المناطق وليس فقط في منطقة جبيل مسقط رأسه، نودّ أن نكتفي في مناسبة هذه الدعوى بذكر 3 وقائع:
1 – دعم الدولة إثر العدوان الإسرائيلي في نيسان 1999
في أعقاب العدوان، استغاثت الدولة اللبنانية بمواطنيها للتبرّع لإعادة إعمار ما دُمّر، فاستجابت جمعية المصارف لهذا النداء وقرّرت أن تجمع من أعضائها 2,5 مليون دولار لهذا الغرض غير أن باسيل كان له شخصياً رأي آخر، فدعا مجلس إدارة مصرفه الى جلسة استثنائية قرّر فيها أن يتبرّع بنك بيبلوس وحده بمليون دولار لإعادة الإعمار مما دفع بقية المصارف الى أن تحذو حذوه ليرتفع مجموع المبالغ المقدّمة من القطاع المصرفي الى أكثر من 7 ملايين دولار.
2 – إعادة بناء جسر الفيدار الذي دمّرته إسرائيل عام 2006
يومها استهدفت اسرائيل الجسور بين المناطق موقعة أضراراً جسيمة يتطلّب إصلاحها موارد تفوق إمكانات الدولة، غير أن من أكثر الأضرار كلفةً كان دمار جسر الفيدار، فقرّر باسيل أن يعيد بنك بيبلوس تشييده وفق أحدث المعايير وفي مهلة قياسية دعماً لصمود لبنان وحرصاً على إعادة التواصل بين اللبنانيّين وتأكيداً لاستمرار المصرف في تأدية دوره الوطني والإنمائي وقد كلّف هذا المشروع 4 ملايين دولار.
3 – إعادة إحياء عقد العمل الجماعي مع اتحاد نقابات موظفي المصارف
يذكر اللبنانيون جميعاً أن مفاوضات تجديد العقد كانت تتعثّر منذ العام 2009، ولكن، ما إن انتخب باسيل رئيساً، حتى أكّد عقب انتخابه أن توجّهات مجلس الإدارة الجديد وتوجّهاته الشخصية تقضي بإعطاء موضوع عقد العمل الجماعي أولويّة على ما عداه من اهتمامات. وهكذا كان، إذ لم يمضِ شهر واحد حتى آلت المفاوضات في نهاية تموز 2013 الى نتيحة إيجابية أشاعت أجواء من الارتياح لدى 23 ألف موظف في القطاع المصرفي.
في المقابل، لم يسمع اللبنانيّون أن نواب الأمة تبرّعوا براتب يوم واحد لمصلحة قضية وطنية أو منفعة عامة. بالعكس، أدّت المناكفات والخلافات حول جدول أعمال اجتماعات مجلس النواب الى إقفال أبواب المجلس طوال سنة تقريباً، بحيث لم يعقد خلال تلك المدة أيّة اجتماعات ولم يُصدر أيّ قانون، في الوقت الذي قبض جميع النواب رواتبهم بالكامل مع لواحقها كافة، أي أن ثمّة مليارات دُفعت لهم من الخزينة العامة التي تستدين وزارة المالية من المصارف لتغذيتها، وذهبت هذه المبالغ كلّها إهدارا. مع ذلك، لم نسمع أن أحداً من أعضاء المجلس النيابي الكريم اعتذر من الشعب… ويقاضون فرنسوا باسيل… عيب، استحوا!
