IMLebanon

أضرار الإقتصاد الإسرائيلي من الحرب على غزة

Joumhouriya-Leb
بروفسور جاسم عجاقة

حرب همجية تقودها الماكينة العسكرية الإسرائيلية على غزة شبيهة بالأعمال الهمجية لداعش على مسيحيّي الموصل. 650 شهيداً في غزة، قسم كبير منهم من الأطفال والنساء، وما زالت إسرائيل تقوم بقصف عشوائي للمناطق التي تنطلق منها صواريخ على الأراضي الإسرائيلية.
لكن هذا الوضع المُستمر من أسبوعين ومع كثرة الصواريخ التي تستهدف العمق الإسرائيلي، أصبح مزعجاً على الاقتصاد الإسرائيلي الذي بدأ يتكبد خسائر على عدة أصعدة.
ويبلغ حجم الاقتصاد الإسرائيلي 286 مليار دولار لعدد سكان يتجاوز الثمانية ملايين (75% يهود). ويتوزع هذا المبلغ بين الخدمات بنسبة 65%، الصناعة 31% والزراعة 2,4%، كما تبلغ نسبة العاطلين عن العمل أكثر من 8% (رسمياً 6%) مع تضخم 3,2%. لكنّ التحاليل تشير إلى أنّ التضخم هو أكثر من 10% وذلك بسبب أسعار العقارات التي تفوق قدرة الكثير من الشباب الإسرائيلي المالية.

وأولى الخسائر التي يتحمّلها الاقتصاد الإسرائيلي نتيجة العدوان على غزة، هي في قطاع السياحة الذي تكبّد خسائر كبيرة (Cost of Opportunities) توازي 500 مليون دولار ناتجة عن إلغاء الحجوزات وتوقيف عدة شركات طيران رحلاتها إلى إسرائيل (أكثر من 100 رحلة إلى إسرائيل تمّ إلغاؤها)، كما أنّ شركة إلعال الإسرائيلية أعلنت عن خسائر تخطّت الـ 60 مليون دولار أميركي.

وهذه الخسائر تأتي كنتيجة للصواريخ التي تُطلقها حماس، والتي بدأت تطال عدة مناطق بعيدة في إسرائيل، والذي يُرجّح أنّ مصدرها هو نظام الإخوان السابق في مصر. وبحسب جمعية المشغلين السياحيّين، بلغت نسبة تشغيل الفنادق 30% مقارنة بـ 80% أيام الصيف العادية (من دون حرب).
أمّا في قطاع الزراعة فقد توقفت الأشغال في العديد من المستوطنات التي تُحاذي قطاع غزة، ما أنتج حتى الساعة عشرات ملايين الدولارات. والوضع في قطاع الصناعة ليس بأفضل، خصوصاً مع التوقّف عن العمل في عدة مصانع في أشكلون التي تحتوي مجمّعات صناعية كبيرة. وتترجم كل هذا على صعيد البورصة بخسائر كبيرة للأسهم الإسرائيلية، فأصبحت حركة مؤشر الأسهم شبيهة بحركة صواريخ حماس على المناطق الإسرائيلية.
وتحاليل بعض الإقتصاديين المختصّين بالإقتصاد الإسرائيلي تتحدث عن خسائر تُقارب الـ 50% في حال طال أمد هذه الحرب، التي وعلى رغم الخسائر البشرية التي يتكبّدها الفلسطينيون، إلّا أنّ عامل الوقت أصبح من جهتهم، من ناحية أنّ كل يوم تُطلق فيه صواريخ من قبل حماس على الأراضي الإسرائيلية، تُخسّر إسرائيل عشرات ملايين الدولارات اقتصادياً.
وقد أظهرت الحرب على غزة وقبلها على لبنان (2006) أنّ كلفة الصاروخ الواحد من منظومة الصواريخ الدفاعية هي في حدود 100 الف دولار، ما يعني أنّ إطلاق عشرة صواريخ يُكلّف مليون دولار. وهكذا يُمكن حساب الكلفة العسكرية اليومية التي نُقدرها بـ 370 مليون دولار ناتجة عن ثمن الصواريخ والرصاص على غزة، بالإضافة الى كلفة المحروقات، والتعويضات المالية لجنود الإحتياط، وغيرها من التعويضات عن الأضرار المادية الناتجة عن صواريخ حماس التي تصِل إلى هدفها.

لكن أصعب ما في الأمر هو أنّ الشعب الإسرائيلي ونتيجة الخوف الذي يعتريه من الحرب، يعمد إلى إخلاء المناطق التي هي عرضة للصواريخ، وهذا يعني أنّ النشاط الاقتصادي يتوقف نتيجة هذا النزوح.

وللتذكير، فإنه وخلال حرب تموز 2006 على لبنان، أطلق «حزب الله» أكثر من 4000 صاروخ على شمال اسرائيل، ما أجبر مليون إسرائيلي على النزوح الى جنوب إسرائيل أو اللجوء الى الملاجئ. ونتيجة هذا النزوح شهد الاقتصاد الإسرائيلي تراجعاً يُمكن ملاحظته من خلال النمو. أيضاً، يُمكن القول إن طلب 50 ألف جندي إحتياطي يعني تخَلّيهم عن أعمالهم التي يقومون بها، وبالتالي هناك انخفاض في الإنتاج نتيجة هذا التخلّي.

والطريقة التي تعتمدها الحكومات الإسرائيلية في معالجتها للمشاكل مع جيرانها العرب، كانت منذ البدء تعتمد على تعاليم جابونسكي الذي قال إنّ العرب لا يفهمون إلّا لغة القوة. من هنا، وفي كل مرة تعرضت إسرائيل لهجوم عسكري بصاروخ أو أي عملية أخرى كخطف جنود، كان الجيش الإسرائيلي يردّ بعنف على المصدر، ومجزرة قانا أكبر شاهد على ما نقوله.
وهذه الإستراتيجية التي يعتمدها الجيش الإسرائيلي مُكلفة مالياً وإقتصادياً، ففلسطين أرض صغيرة تطالها صورايخ متوسطة إلى قصيرة المدى من شمالها إلى جنوبها، وهذه الصواريخ كافية لشلّ الحركة الاقتصادية.

الحلّ يكمن في تقاسم الثروات
وإذا كنّا من جيل لا يَعي بالضرورة النكبة في الـ 48 ولا في الـ 67… إلّا أننا نتذكر منذ صغرنا هذا الصراع الذي يُعتبر من أطول الصراعات في عصرنا الحديث، والذي كانت فيه لغة الحوار هي السلاح.
وإسرائيل التي تنعم اليوم بثروة نفطية، قسم لا بأس به منها يقع مقابل قطاع غزة، لا يُمكنها أن تنعم بسلام إذا لم يتم قتل الفقر في قطاع غزة والضفة الغربية والذي يرزح تحته مئات الآلاف من الفلسطينيين الذي يتحولون تلقائياً إلى أعداء لإسرائيل نتيجة ملاحظة الفرق في المعيشة بينهم وبين الإسرائيليين الذين يُعتبرون محتلّين لهذه الأرض، وبالتالي ينعمون بخيراتها.

الاقتصاد الإسرائيلي على الأطراف
وبالنظر إلى الاقتصاد الإسرائيلي الذي يُعتبر متطوراً إلى حد معيّن، نرى أنه ينتقل بين حالتين مختلفتين: الأولى حالة متطورة كثيراً والثانية حالة توقف شبه كلّي نتيجة الحرب. ولا يُمكن فهم هذا التنقل بالإقتصاد بين هاتين الحالتين لأنّ الاقتصاد بالمبدأ هو اقتصاد ميكانيكي، أي أنّ التنقّل بين هاتين الحالتين يجب أن يكون تنقلاً متواصلاً.
وبالتحليل، نرى أنّ الحل الوحيد الممكن هو مساعدات مادية خارجية تسمح بمَسح كل الأضرار الناتجة عن هذه الحرب. وهذه المساعدات هي بالأساس تبرّعات يقوم بها اللوبي اليهودي في العالم، والذي يستطيع أن يجلب أرقاماً خيالية تفوق التصوّر، نظراً لأنّ أهمّ الشركات العالمية هي شركات مملوكة من يهود.