“السوق القديم” في جبيل عنوان للسياحة الدائمة (تقرير آية يونس)

jbeil-souk

 

آية يونس

سوق جبيل القديم من الأسواق المميّزة جدّاً في لبنان، كونه محال تجارية للألبسة والحرف والأعمال اليدويّة والتذكارات في النهار، ويتحوّل الى مقاه ومطاعم في الليل. فكل ما يباع في أسواق جبيل مصنوع في لبنان، من قطع أثرية وزجاج ملوّن وحرف فينيقيّة اعيد تصنيعها من جديد الى العباءات واللوحات والمنحوتات الخشبيّة وغيرها. تمّ ترميم الأسواق السنة الماضية بالحجر الرملي مع الحفاظ على طابعها الحضاري ورونقها العريق. يقع السوق القديم في قلب المدينة ويزوره عدد كبير من السائحين من جميع انحاء العالم، ليس فقط لشراء البضائع بل للتنزه بين المحلات وخصوصاً في فترة بعد الظهر، فنرى الشارع مكتظّ بالناس.

يعود “السوق القديم” او “العتيق” الى نهاية القرن التاسع عشر، وكان معبراً لعربيات الخيل التركيّة آنذاك وتغصّ محاله بالنجارين والسكافين وبعض الحرفيين آنذاك. وتحت القنطرة الموجودة في السوق، كان يجتمع كبار السنّ يلعبون “طاولة الزهر” ويشربون القهوة. عام 1975 ، لم يعد يحقّ للسيارات أن تمرّ في داخله ورمّمت ابواب محاله لتشبه بعضها بعضاً بعد ما كانت مصنوعة من الواح التوتيا. وأضيق القرميد فوق سطوحه وبلّطت ارضيته بحجر البحر. عام 2013 أعيد ترميم السوق مجدّداً بالحجر الرملي وحرصت بلديّة جبيل على المحافظة على قدسيّة هذا المكان التراثي- الحضاري وحالت من دون افقاده خصوصيّته كسوق شعبية لبيع الحرف، وفي الوقت نفسه حوّلته الى سوق عصريّ يواكب التطور الفكري الشبابي ويصبح مقصداً لرواد المطاعم والمقاي ليلاً، فازداد عدد السياح عمّا كان عليه من قبل من دون المسّ بهويّة “السوق القديم” الذي “تنشّط” بعد ان كان “ينام” الساعة السادسة مساء ليصبح سوق حيويّاً شبابيّا في الليل “يسهر ويملأ جبيل مرح”.

بعد الأحداث الأخيرة في البلد والتي أثرت سلباً على المناطق السياحيّة، قصدنا ” السوق القديم” واستفسرنا من اصحاب المحال عن الوضع التجاري وحال المبيعات خلال هذا الصيف.

“الوضع جيّد والحمدلله ” هذا كان جواب اكثريّة التجّار. فبعد الانفجارات في لبنان التي وقعت في بداية الموسم توقعوا ان يكون الموسم خاسر؛ الّا أن اللبنانيين المغتربين لم يكترثوا بالوضع وعادوا لامضاء الصيف مع العائلة. “اللبنانيون لا يخافون شيء، اعتادوا على هذه الحالة ولا سبب يمنعهم من زيارة بلدهم سنويّاً” قال صاحب محلّ حرفيات لنا، مؤكّداً ان المبيعات جيّدة وعدد السواح كبير وهم من جميع انحاء العالم، يشترون التذكارات وخصوصاً الفينيقيّة منها ويسألون عن قصّة كل قطعة .

دينا صاحبة محلّ احذية في السوق، اعتبرت انّ الأوضاع السيئة لم تؤثّر على المبيعات، فالزبائن هنا لا تكترث بالهزات الأمنية في البلد لأن أسعارنا معقولة وتناسب كلّ الطبقات الاجتماعيّة. أمّا جارها في المحلّ المجاور اكّد ان اللبنانيين يحبون الحياة و “عيّيشين” فيقصدونهم مع اصدقائهم الأجانب لشراء التذكارات والحرف، “واللبنانيون المقيمون في الخارج اوفياء لبلدهم، يشترون سنويّاً هدايا يهدونها الى معارفهم في البلدان الأخرى”.

في وسط السوق محل مميّز يصمم صاحبه المجوهرات والحقائب اليدويّة المزخرفة والمطبوع عليها صور لمطربين عمالقة كالسيدة فيروز وصباح ووديع الصافي مع مقتطفات من أغانيهم المعروفة “نسّم علينا الهوا”، ” يانا يانا”، “ساعات ساعات”، “على رمش عيونها”، “لبنان يا قطعة سما” بالاضافة الى صورة الليرة اللبنانية وجمل مميّزة : “I love Byblos, I love Lebanon, I’m single, I’m the bride…” مصبوبة على لوحة حديدية كالتي تحمل ارقام السيارات. هذا المحلّ يفتح لساعة متأخرة من الليل ليجذب “عاشقوا السهر” في المقاه المجاورة. أكّد موظّف في المحلّ انّ المبيعات جيّدة جدّا حتّى أنه لم يعد يتوفّر ليدهم اي حقيبة معروضة. وبالنسبة للمجوهرات المصنوعة يدويّاً، قال: “ما منلحقّ بيع” ووصف الموسم بالمربح “فالسيدة اللبنالنية تهتم دائماً بجمالها وأناقتها رغم الأوضاع السيّئة”.

مهما واجهت لبنان صعوبات وعوائق هدفها الأساسي تحطيم الاقتصاد اللبناني والسياحة ، الّا ان ارادة اللبنانيين وخصوصاً المغتربين منهم أقوى من الشرّ الذي يحوم حول بلدهم الأم، وجبيل هي اكبر دليل على ذلك، كونها تحوّلت في السنوات الأخيرة مقصداً سياحياً مزدهراً بسبب المقاهي والمطاعم التي انتشرت بين الأسواق بالاضافة الى كونها مدينة التعايش والسلام والطمأنينة. عسى انّ تظلّ الليرة اللبنانية تتكاثر بين الأيادي ويبقى لبنان “قطعة سما على الارض تاني ما إلا” فنقول لضيوفنا دائماً هلا.