IMLebanon

اقتصاد البلاد…إلى الوراء در!

Liwa2
ماجد منيمنة

تتزايد حدّة مخاوف اللبنانيين مما سيؤول إليه الوضعان المالي والأمني والتي تضع مستقبل البلاد والعباد في المجهول. كما كتب بعض خبراء الإقتصاد مقالات تبرهن بأن الدولة هي على حافة الإفلاس وأن شكوكاً تحوم حول قدرتها على تسديد الرواتب والأجور في الفترة القادمة كما قدرتها على استيراد المواد الأساسية الضرورية للخدمات التشغيلية. فيما أطلق آخرون صيحات ألم حول ما ستؤول إليه نسب صرف الليرة اللبنانية من تدهور في قيمتها مقارنة بالدولار الأميركي بسبب تأزم الوضع الإقتصادي والإجتماعي نتيجة للإحتقان السياسي. كل تلك المخاوف المتعاظمة تسود اليوم في الشارع اللبناني بسبب عدم قدرة أغلب أبناء الشعب اللبناني، لا سيما الطبقة المتوسطة منه والفقيرة على التكفل بنفقات المعيشة اليومية جراء غلاء الأسعار وتراجع قيمة الدخل وإغلاق المؤسسات وصرف الموظفين وغياب الإستثمارات وازدياد البطالة، مع ازدياد عدد اللاجئين، وهي حقائق لا ينكرها أي فرد كان بمن في ذلك الجهات الحكومية.
وفي الأشهر الماضية، ظل المصرف المركزي يحذر من صعوبة المرحلة على عدة أصعدة، كما دعا أكثر من مرة السياسيين إلى التوافق حول وضعية سياسية مثلى تجنب البلاد الأزمة الإقتصادية المحدقة، لكن ذلك لم يلقَ أي صدى إيجابي لدى المعنيين. وأطلق وزير المالية صرخة معلناً بأن لبنان دخل مرحلة الخطر، حيث أن كلفة الدين العام سترتفع السنة المقبلة إلى 690 مليار ليرة نتيجة تزايد الدين والنفقات. واليوم كل مراقب يشبِّه الخطر الإقتصادي بالخطر الإرهابي ويحمل السياسيين مسؤولية ذلك. إنها ليست المرة الأولى التي يدور فيها حديث عن إفلاس الدولة وعن تعثر في تسديد الرواتب والأجور وعن عجز الدولة عن توريد المواد الضرورية ولكن هذا العامل أصبح مؤكداً في ظل استمرار تدهور الأوضاع الإقتصادية في البلاد، مع تزايد الجماعات التخريبية في تدمير ما تبقى من اقتصاد وبنى تحتية وتكالب المنتفعين من الأزمات المستمرة التي يعيشها لبنان منذ عقود ومنها أزمة المياه والكهرباء والتي تعصف بالبلاد حالياً، إضافة إلى التوترات الأمنية التي يعيشها عدد من المناطق اللبنانية نتيجة الخلافات بين الأطراف السياسية على الساحة الإقليمية والتي تترجم بأعمال إرهابية محلية ومع تأخر المساعدات العسكرية والمنح الخارجية.
ويؤكد الكثير من التقارير المحلية والدولية الحديثة عن أن شبح الإفلاس الذي بات يهدد لبنان، خاصة مع فشل الحكومة في وضع خطة لمعالجة إقتصادية إنقاذية لوقف التدهور السريع الذي يشهده الإقتصاد الوطني كل يوم. ورجَّح العديد من التقارير الدولية أن عام 2015 لن يكون رؤوفاً بلبنان الذي يعاني من أزمات إقتصادية عدة قد تدخله دائرة الإفلاس لاسيما في ظل عدم إيفاء المانحين الدوليين بتعهداتهم بتقديم مساعدات مالية لتغطية موضوع وتكاليف احتياجات النازحين السوريين، التي باتت تشكل خطراً داهماً على السياسية المالية والإنفاق الحكومي. كما أن  لبنان يواجه عجزاً كبيراً في موازنته العامة، كما يعاني من ارتفاع في الدين العام والذي سجل 20 مليون دولار يومياً وتراجعاً في الاحتياطي النقدي الأجنبي لدى المصرف المركزي، إضافة إلى انخفاض الإيرادات العامة للدولة. إن الدين العام الإجمالي بلغ 65.7 مليار دولار حتى نهاية حزيران 2014، بزيادة سنوية نسبتها 9.5 في المئة عن الفترة نفسها من العام 2013. وبعد استبعاد ودائع القطاع العام في المصرف المركزي والمصارف التجارية من إجمالي الدين العام، يحقق صافي الدين العام زيادة نسبتها 7.9 في المئة ليصل إلى 54.9 مليار دولار في النصف الأول من العام 2014. إن استمرار الفوضى سيجعل من لبنان بلداً طارداً للإستثمارات وهذا الوضع قد يهدد بإنتكاسة كبيرة للإقتصاد الوطني المتدني المداخيل أصلاً.
وفي ظل هذا الوضع الإقتصادي المهدد بالإنهيار، ما يزال البنك والصندوق الدوليين يمارسان الكثير من الضغوط على الحكومة حول موضوع ظاهرة التهريب والتي وجهت أصابع الإتهام إلى عديد من الأطراف النافذين في الساحة المحلية، بأنها متورطة في تهريب الديزل والفيول أويل والبنزين إلى دول الجوار وبيعه بأسعار مضاعفة لما يتم بيعه في الأسواق اللبنانية، مستغلين الدعم الذي تقدمه الحكومة لأسعار المشتقات المستوردة من الخارج لتغطية الإستهلاك المحلي والتي أكدت المصادر أن كميات كبيرة من تلك المشتقات من الديزل والبنزين، يتم تهريبها من الموانئ مباشرة أو عبر ناقلات عبر الحدود السورية البرية منها والبحرية. وقد سبق وأن كشفت التقارير الإعلامية الكثير من هذه العمليات والحكومة اللبنانية لديها المعرفة الأكيدة بالأطراف التي تقف وراء تهريب المشتقات إلى خارج الحدود وكذا الأطراف التي تعمل على خلق أزمات للمشتقات النفطية وتنقل كميات كبيرة لبيعها في السوق السوداء في الداخل السوري. ويضغط صندوق النقد الدولي بإتجاه رفع الحكومة اللبنانية دعمها للمشتقات النفطية وخاصة المازوت وهو ما لم تجمع عليه الحكومة حتى الآن ويتخوف منه الشارع اللبناني بسبب الحالة الإقتصادية التي تمر بها البلاد. ونظراً لإرتفاع العجز في الموازنة العامة للدولة وصعوبة تمويله من مصادر حقيقية، فإن الوضع المالي يزداد صعوبة وتعقيداً الأمر الذي يتطلب رفع كفاءة تحصيل الإيرادات ومواصلة ضبط وترشيد النفقات. والمطلوب حشد الموارد الخارجية على شكل منح نظراً لضعف إستدامة المديونية من المصارف المحلية وكذلك تقديم دعم مباشر للموازنة لتغطية العجز المرتفع في الموازنة العامة للدولة، حيث أن الإصدار بالليرة واستبدال السندات بالعملات، سيزيدان كلفة الدين العام نتيجة فروقات أسعار الفوائد.
كما تؤكد التقارير الرسمية تراجع الإيرادات العامة مقارنة بالأعوام السابقة، الأمر الذي سيعمل على زيادة العجز وهو ما لا تقدر على تحمله الحكومة في ظل الأوضاع الإقتصادية التي تمر بها البلاد، خاصة أن الحكومة الآن منشغلة بالوضع السياسي والأمني الذي تمر به البلاد وتغفل خطورة الوضع الإقتصادي والذي قد ينذر بكارثة في المستقبل القريب. كما أن تراجع الإحتياطي النقدي يضع لبنان في دائرة الخطر ويؤثر سلباً على الإقتصاد الوطني من خلال إرتفاع حجم الدين الداخلي الذي تجاوز 130% من حجم الناتج القومي الإجمالي، نتيجة للجوء الحكومة إلى أدوات الدين وأذونات الخزانة لتمويل عجز الموازنة العامة للدولة.إنّ زيادة الدين العام ستؤدّي إلى خفض التصنيف الإئتماني للدولة اللبنانية، وبالتالي الضغط على المصارف اللبنانية بمزيد من التمويل. وبغضّ النظر عن الواجب الوطني للمصارف المحلية بالحؤول دون إفلاس الدولة، والسؤال هنا الى متى سوف تستمر هذه المصلحة بالتمويل؟
ظنون وشكوك وهواجس تخامر الجميع هذه الأيام والكل يتحدث عن فترة قادمة صعبة على لبنان واللبنانيين من الناحيتين الإقتصادية والأمنية. وبعد هذه المعلومات الدقيقة التي كشفت الكثير من الحقائق حول الوضع الحالي للإقتصاد الوطني، توصلنا  إلى نتيجة  مفادها أن الحكومة وبمختلف الجهات المختصة فيها، تنتظر الخارج بأن يقدم الحلول لمشاكل البلاد الإقتصادية، كما تنتظر التوجيهات أيضاً من الخارج في مختلف التفاصيل الأمنية والعسكرية، وهذا يدل بوضوح أن أزمات لبنان الإقتصادية والسياسية والإجتماعية والأمنية هي أزمات إدارية قبل أن تكون مالية. ولا غرابة في ذلك لأننا تعودنا بأن تكون حكوماتنا حكومات محاصصة تشكل من أجل رفع العتب الديمقراطي وإبقاء الأمور على ما هي عليه وتغطية الفساد ومؤازرة المفسدين وغض النظر عن أكل الأموال العامة، بدلاً من تنميتها وتوجيهها في قنوات إستثمارية تنتفع بها البلاد والعباد. لذلك فإن الخلاصة تؤكد، بأن لبنان متجه نحو الهاوية، ما لم يبادر السياسيون إلى تدعيم المهوار المالي الذي أضحى بوضوح أمامنا!!