IMLebanon

كانتونات سويسرا تدرُس التداعيات المحتملة لإلغاء الإمتيازات الضريبية

Swiss
ماثيو آلن
بدأ بعض الأجانب الأغنياء المُقيمين في سويسرا في حزم أمتعتهم ومغادرة المُدن التي توقّفت عن منحهم امتيازات ضريبية مُعتبرة. وتُطرح حاليا العديد من التساؤلات حول الخسائر المالية التي قد تتكبدها الكانتونات “الصديقة للأثرياء” في المُستقبل، علما أن الناخبين السويسريين مدعوون للتصويت يوم 30 نوفمبر 2014 على مبادرة شعبية تهدف إلى إلغاء الضريبة الجُزافية المُخصصة للأغنياء على المستوى الوطني.
تتميّز مُنحدرات بلدية “كوسناخت” المُشمسة المُطلة على “الساحل الذهبي” لبُحيرة زيورخ بفيــلاّتها الفاخرة، ونادي اليخوت، ومطعمها الحائز على نجمتين في دليل “ميشلان” السياحي الشهير. وتمثل هذه الخاصيات مُجتمعة عامل جذب رئيسي للمُقيمين الأثرياء، سواء كانوا سويسريين أو أجانب.
ولكن هذه المُحفزات لم تكن كافية لإقناع عدد من السكان الأجانب في كوسناخت الذين غادروا كانتون زيورخ بعدما وافق الناخبون في عام 2009 على إلغاء الضريبة الجزافية. وقد تكرّر نفس السيناريو في عدد من بلديات الكانتون بحيث قرّر تقريبا نصف المُستفيدين من هذه الإمتيازات الضريبية الإبتعاد عن المنطقة بمُجرد انتهاء العمل بالنظام السابق.
وقد تؤدي المبادرة الشعبية التي سيصوت عليها السويسريون يوم 30 نوفمبر 2014 والداعية إلى إلغاء الضريبية الجُزافية في كافة أنحاء الكنفدرالية إلى نفس النتائج، حتى أنها قد تتسبّب في رحيل عدد أكبر من الأغنياء من سويسرا لأنه لن يُصبح بوسع أيّ كانتون عرض نفس المعدلات الضريبية المتواضعة التي يعتبرها المُنتقدون “ظلما أو حيفا اجتماعيا”.

تأثير مالي ضيئل؟
في عام 2009، كان يقطن في كوسناخت تسعة عشر (19) مستفيدا من هذه الضريبة الجُزافية، ولم يتبقّ منهم اليوم سوى ستة (6). لكن السكان الميسورين في هذه المنطقة لاحظوا بالكاد اختفاءهم، وفقا لرئيس البلدية ماركوس إيرنست، الذي أضاف في تصريح لـ swissinfo.ch: “عندما يغادر 13 ساكنا مجموعة تتألف [مما يزيد عن] 13000 شخصا، فإن ذلك لا يُحدث فرقا كبيرا. في العام الماضي، سجلنا توافد حوالي 1290 شخصا، ومغادرة 1147 آخرين لبلديتنا، وذلك لأسباب مختلفة”.
وأوضح إيرنست أن رحيل هؤلاء السكان الأجانب “كان له تأثير مالي ضئيل بما أنهم لم يكونوا أكبر دافعي الضرائب لدينا، نظرا لطبيعة نظام الضريبة الجزافية نفسها”، قبل أن يُضيف: “إنهم أشخاص دوليون كثيرو التنقل، ولم تكن لديهم جذور عميقة في مُجتمعنا”.

كانتون زيورخ واجه أيضا موجة رحيل السكان المشاهير بعد أن أصبح الأول من خمسة كانتونات أنهت العمل بنظام الضريبة الجزافية قبل خمسة أعوام.
وغادر زيورخ 97 من أصل المُستفيدين الـ 201 من الإمتياز الضريبي السابق، واستقر مُعظمهم في كانتونات أخرى، بينما قررت البقية مغادرة سويسرا. وقد فقد الكانتون عائدات ضريبية بقيمة 12,2 مليون فرنك بسبب هجرة هؤلاء الأثرياء.
في المقابل، ظل يُقيم في الكانتون أكثر من مائة (100) ثريّ أجنبي. واعتمادا على حجم ثروتهم وكيفية توزيعها، انتهى الأمر بـ 55 منهم إلى دفع المزيد من الضرائب، بينما انخفض المعدل بالنسبة لـ 47 آخرين. ويبلغ إجمالي الفاتورة الضريبية التي يؤدّونها للكانتون 13,8 مليون فرنك، أي أنها تُعوض الخسائر إلى حدّ كبير، بل يمكن القول أن الكانتون قد حقّق مكاسب في نهاية المطاف.
في الأثناء، يُلفت المعارضون لمبادرة 30 نوفمبر 2014 إلى أن المساهمات المالية لهذا الصنف من الأجانب الأثرياء لا تقتصر على النطاق الضريبي، ويُذكِّرون بأنهم يضُخون مبالغ أكبر بكثير في الإقتصادات المحلية من خلال شراء الممتلكات وصيانتها، وتنشيط الأعمال التِّجارية المحلية لما تحتاجه من خدمات مختلفة، فضلا عن تناول وجباتهم في المطاعم والفنادق، وشرائهم لليخوت والسيارات من التجار المحليين، وجذب أصدقائهم الأغنياء لقضاء العطل في المنطقة.
من جهة أخرى، يعتقد منتقدو المبادرة أن رحيل الأجانب الأثرياء قد يكون له تأثير سلبي غير مُتناسب على الكانتونات. فخلافا لزيورخ الذي يُعدّ المركز الرئيسي للمال والأعمال في سويسرا، فمن المحتمل أن لا تتمكّن جميع الكانتونات من سدّ فجوة الثروة التي قد تحدثها مغادرة الأغنياء لأراضيها.
تأثير غير متناسب؟
ويبدو أن كانتونات فو (التي يسكنها 1396 مستفيد من الضريبة الجزافية)، وفالي (1300)، وتيتشينو (877) تخشى أكثر من غيرها نتائج التصويت. ووفقا لمصرف كريدي سويس، يُساهم الأجانب الأثرياء المقيمون في كانتون غراوبوندن بمعدل عالٍ نسبيا (يُناهز 3%) من إجمالي الإيرادات الضريبية، بينما ينتظر كانتون جنيف (710) بـقلق التغييرات التي ستطرأ على ضرائب الشركات – المفروضة من قبل الإتحاد الأوروبي – والتي قد تؤدي إلى تخفيض إضافي للإيرادات الجبائية.
بدوره يتوقع الفالي، عواقب وخيمة إذا ما ألغي هذا الإمتياز في كافة ربوع سويسرا. وفي تصريحات لـ swissinfo.ch، أوضح موريس تورني، مدير الشؤون المالية في هذا الكانتون: “إذا ما ألغيت الضريبة الجزافية، فمن المُمكن تماما أن يغادر أكثر من نصف هؤلاء السكان كانتون الفالي، أو وربما سويسرا”. كما ذكّر أن هؤلاء الأثرياء لا يدفعون فقط 84 مليون فرنك من الضرائب للبلدية والكانتون والكنفدرالية، بل ينفقون ما يصل إلى 200 مليون فرنك على المُمتلكات، و150 مليون على خدمات محلية أخرى.
ويعتقد توني أمون، مستشار الضرائب في Relocation Switzerland (وهو مكتب استشارات متخصص في مساعدة الأثرياء على التنقل للعيش في سويسرا) أن صناعة البناء في الكانتونات الريفية تأثّرت بالفعل بالتصويت الشعبي الذي أَقـرّ قبل عامين فرضَ سقف بنسبة 20% لعدد المنازل الثانوية (مقارنة بالعدد الإجمالي للبيوت) في كافة البلديات الجبلية السويسرية.
وقال في توضيحاته لـ swissinfo.ch: “إن الأجانب الأثرياء الذين يأتون للعيش في سويسرا يستثمرون مبالغ كبيرة في الممتلكات. توجد بوضوح فرصة لجذب الناس الذين سيقومون بتشييد عدد صغير نسبيا من الممتلكات عالية القيمة للعيش فيها، وبالتالي سيتجنبون مشكلة “الأسرّة الباردة” (الفارغة) في مناطق قضاء العطل”.
واستطرد قائلا: “هنالك خطر كبير بأن تذهب هذه الفرصة في أدراج الرياح لأنه من الواضح أن الطلب من طرف الأجانب الأثرياء الذين يريدون القدوم إلى سويسرا سيتباطأ إن تم إلغاء الضريبية الجزافية. وهناك بلدان أوروبية أخرى، مثل بريطانيا، بإمكانها أن تعرض على المقيمين الأجانب شروطا ضريبية أكثر جاذبية”.
“نسمة من الهواء المنعش”
في الواقع، لا يُمكن لأحد أن يتوقع عدد المقيمين الأجانب الذين سيحزمون أمتعتهم في حال إلغاء هذا الإمتياز الضريبي في سويسرا، لكن يمكن الإشارة ضمن هذا السياق إلى أن المغنية والممثلة تينا تيرنر لم تقاوم سحر منطقة كونساخت، حتى أنها تخلت مؤخرا عن جواز سفرها الأمريكي لتحمل الجنسية السويسرية على الرغم من أن الخطوة تؤدي إلى فقدانها للإمتيازات الضريبية.
وعندما سألتها صحيفة “بليك” الواسعة الإنتشار (تصدر بالألمانية في زيورخ) عن سبب بقائها في الكانتون، أجابت: “تتمثل الأولوية في الهواء المنعش، وخصوبة المساحات الخضراء”
انطلاقا من تجربة زيورخ، قد يُضطر أثرياء آخرون إلى المغادرة بُغية العثور على حل مالي أفضل لهم. أما في موفى شهر نوفمبر القادم، فسيقرر الناخبون ما إذا كانت الضريبة الجزافية مصدر دخل قيم وموثوق يُستحسن أن يستفيد منه الجميع، أم مجرد نظام ضريبي جائر وعتيق يخدم مصالح الأغنياء فقط.
كيف يشتغل نظام الضريبة الجُزافيّة؟

يتركز اهتمام هذا النظام الضريبي الخصوصي على حجم نفقات المعيشة للمقيمين من الأثرياء الأجانب فيما يغض النظر تماما عن الحجم الحقيقي لثرواتهم أو لمداخيلهم الأخرى في الخارج. وهو غير مُتاح إلا للأشخاص الذين لا يُمارسون أي نشاط تجاري داخل سويسرا، إلا أنه بإمكان نجوم الرياضة والفنانين الإستفادة منه أيضا.

في عام 2012، قررت الحكومة الفدرالية تشديد القوانين المنظمة للضريبة الجُزافية نظرا لتصاعد المعارضة لهذه الإمتيازات الجبائية في صفوف الناخبين السويسريين. فابتداء من عام 2016، لن تقل قيمة الضرائب المستوجبة على المتمتعين بهذا النظام عن سبعة أضعاف القيمة الإيجارية للبيت أو الفيلا أو القصر الذي يُقيمون فيه على مستوى الكانتون والفدرالية (مقابل خمسة أضعاف قيمة الملكية في الوقت الحالي).

إضافة إلى ذلك، يتعين على المقيمين الأجانب الراغبين في الإستفادة من نظام الضريبة الجُزافية إقامة الدليل على توفرهم على دخل سنوي لا يقل عن 400 ألف فرنك. فعلى سبيل المثال، فإن أجنبيا يقتني مسكنا في سويسرا تقدر قيمته الكرائية بخمسة آلاف (5000) فرنك في الشهر سيدفع ضريبة لا تقل عن 420 ألف فرنك (5000 فرنك ضارب 12 شهر ضارب 7 أضعاف). ويُمكن أيضا احتساب النفقات الأخرى كالسيارات واليخوت وأجور المدارس وغيرها عند تحديد القيمة النهائية للضريبة السنوية المستوجبة.

يُشار إلى أنه بإمكان الأجانب الوافدين إلى سويسرا للمرة الأولى أو العائدين إليها بعد فترة غياب لا تقل عن عشرة (10) أعوام مطالبة السلطات الجبائية بتمتيعهم بنظام الضريبة الجُزافية.