IMLebanon

الدولار الأميركي كعُملة عالمية

Joumhouriya-Leb
بروفسور غريتا صعب

هذا الاتجاه من المحتمل ان يتزايد خلال العام المقبل ولا سيما انّ الفيدرالي الاميركي اوقف عملية التسيير الكمي والتي بدأت منذ العام ٢٠٠٨ أيْ بعد الازمة العالمية المالية، بينما نرى انّ البنك المركزي الاوروبي وبنك اليابان يحاولان جاهدَين البدء بجولات متتالية من عمليات شراء السندات هذا الشهر.

ورأينا ولسنوات خلت كيف انّ الولايات المتحده كانت تنتقد الدول التي تحاول استغلال سعر الصرف وتحديد قيمة عمولتها، وسكوتها الحالي عن ماريو دراغي الذي يتحدّث عن يورو ضعيف، وغضّ الطرف عن التدخلات الصينية في اسواق عملتها انطلاقاً من اقتناعها باستقرار الوضع المالي واحتمال تحسّن النموّ في هذه الدول وهذا اهم بكثير حسب Adam Posen رئيس معهد بترسون للاقتصاد الدولي.

فدولارٌ قوي هو برهان واضح على تحسّن الاقتصاد الاميركي وخروجه من فترة تباطؤ في النموّ تجعل الاميركيين بأحسن حال ولا سيما انّ دولاراً قوياً يعني كذلك امكانية شراء الاميركيين مزيداً من السلع الاجنبية وزيادة الفرصة للمستثمرين الاجانب للعودة الى الاسواق المالية الاميركية ودعم ارتفاع أسعار الأصول.

هذا تفسير منطقي لا يمكن الاختلاف عليه علماً انّ ارتفاع سعر الدولار عالمياً يحمل مخاطر كبيرة تصعِّب على الشركات الاميركية بيع السلع والخدمات في الخارج، والمساهمة الى حدّ بعيد في إبطاء وتيرة التضخّم المحلي مع العلم ايضاً انه ليس عاملاً ايجابياً في تحفيز النموّ، ولكن على ما يبدو فإنّ صنّاع القرار في الولايات المتحدة مدركون لغايته نتائجَ وقف عملية التسيير الكمي وإمكانية ارتفاع اسعار الفوائد، وقد تكون ضمن فترة أقل بكثير مما يحتسبون لها.

أما اقتصادياً فارتفاع الفوائد يعني زيادة جاذبية الاسواق الاميركية وفرصة جديدة للمستثمرين للعودة الى هذه السوق. هذه هي الحال في الولايات المتحدة الاميركية والسؤال الذي يتبادر الى الاذهان ما هي وضعية الدول الاخرى المتقدّمة منها والناشئة، ومَن هم الرابحون والخاسرون من خلال هذا الوضع ولا سيما انّ المصارف الأجنبية تعتمد وبطريقة قوية على الدولار.

حسب بعض خبراء الاقتصاد يجب أن تسعى الولايات المتحدة الى الحدّ من ارتفاع الدولار كذلك الحدّ من التفاوت المتواجد مع المصارف المركزية الاخرى من خلال تقديم الحوافز والتحديد لعملية التيسير الكمي، وهذا في الواقع غير منطقي ولا سيما انّ الاحتياطي الفيديرالي يسعى جاهداً ومنذ نشوء الأزمة الى ضخّ كميات هائلة في الاسواق المالية من خلال QE3 ،QE2 ،QE1، وهذا ما لم يستغرق وقتاً في ظهور نتائجه الإيجابية التي انعكست على الاسواق الأميركية زيادة في النموّ وتراجعاً في مستوى البطالة.

أما الاقتصادات المتقدّمة الاخرى فراهنت وفي مراحل متعددة على انتعاش الاسواق وتراجع البطالة وزيادة التضخم، ونحن لغايته لا زلنا امام نتائج تعاكس رهانهم ما دفعهم وبالواقع متأخرين الى البدء بعمليات التيسير الكمي. وطبيعيّ القول إنّ الدولار وزيادة صرفه وتشديد اميركا في سياستها النقدية وإمكانية ارتفاع أسعار الفوائد في فترات قريبة جداً تؤثر في نقاط الضعف المتواجدة في الدول الاخرى.

وحسب ستيفن كينغ رئيس الاقتصاديين في HSBC فإنّ بلدان اميركا اللاتينية والتي هي على حافة الركود قد لا ترحب بسياسة نقدية متشدّدة للاحتياطي الفيديرالي الاميركي. لذلك قد يثير هذا الارتفاع السريع في أسعار الدولار مخاوف من مشكلاتٍ قد تصيب الاقتصادات الضعيفة ولا سيما خطر تحوّل رؤوس الأموال عن الاسواق الناشئة ما يضع مزيداً من الضغوط على هذه الاقتصادات.

ميزة اليورو الضعيف

ولا يتوقع خبراء العملات مثل هذا التحسّن السريع في سعر صرف الدولار ولا سيما مقابل اليورو والين والجنيه الاسترليني والدولار الأوسترالي قبل العام المقبل، وهو يأتي في فترة دقيقة جداً بالنسبة لأوروبا حيث إنّ اقتصادها ما زال يعاني وبحاجة ماسة الى محفّزات اقتصادية.

هذا مع العلم انّ يورو ضعيف يساعد صناعات عدّة في أوروبا وكذلك ينعش السياحة لكنه يشكل في الوقت عينه عاملاً في تحوّل رؤوس الأموال عنها، كذلك فإنّ ارتفاع أسعار الفوائد يشكّل ضغطاً كبيراً على الائتمان ويساعد في رفع تكاليف الاقتراض عبر العالم.

والدولار ليس فقط عملة الولايات المتحدة الأميركية انما هو عملة العالم وانتعاشه سوف يكون له تأثير كبير ليس فقط في الولايات المتحدة بل أيضاً في أوروبا واليابان وغيرها من البلدان، فمهما تفاوتت الأسباب في إرتفاع الدولار يبقى القول إن نتائجه سوف تأتي كالتالي:

– عمليات تيسير كمي أقل في أوروبا ولا سيما أنّ تحسن الدولار سوف يجعل من البضائع الاوروبية أكثر تنافسية عالمياً ما يعني على الاقل فرص نموّ أحسن للإقتصاد الاوروبي.

– تحسن أسرع في الصين- وقد تكون الصين الفائز الأكبر من هذا التحسّن القوي في سعر صرف الدولار إذ إنّ احتياطها من النقد الأجنبي ورغم تنوّعه قليلاً في الفترات الاخيرة، بقي معظمه بالدولار الاميركي وبحلول نهاية عام ٢٠١٣ قُدِر احتياط الصين بـ٣،٨ تريليون دولار، لذلك قد يساعد هذا التحسّن في دعم الاقتصاد الصيني وإعطاء صانعي القرار فيها مرونة أكبر في التصرّف.

– عمليات دمج محتمَلة خصوصاً مع تراجع أسعار اليورو ما يعني انّ الشركات الأميركية قد تجد نفسها أمام فرص قوية في اقتناص الشركات وضمّها.

– ضعف في العملات الرقمية البديلة والتي كانت وفي فترة ضعف الدولار بديلاً جدّياً عنه، إنما مع تحسّن سعر صرفه مجدّداً سوف تصبح هذه العملات كذلك الذهب أقل جاذبية فتنخفض قيمتها.

– وأخيراً دولارٌ قوي يعني أنّ أسعار السلع الاساسية هي اضعف في الأسواق الناشئة وليس من المستغرَب أن يكون وراء تحسّن سعر صرف الدولار ثوراتٌ شعبية او تحركاتٌ غير مستحبة في دول عدّة تعوّل على الكثير من المال لإرضاء شعوبها: فنزويلا غير مستقرة والسعودية تواجه تحدّيات جمّة وفلاديمير بوتين لن يكون في حال أحسن وهو اذا فشلت مغامرته في أوكرانيا لن يتمكّن من الاستفادة من سعر صرف قوي.

دراغي المستفيد

الرابح على ما يبدو لغاية الآن من هذه العملية، قد يكون ماريو دراغي رئيس المركزي الاوروبي والذي ولفترة خلت بات يعوّل على ضعف اليورو من أجل تحسين الاقتصاد وتحفيز النموّ. هذا وانخفاض اليورو يساعد على زيادة معدّل التضخم في المنطقة ما يعني تأثيراً مباشراً في سوق العمل الذي لا زال يعاني نسباً كبيرة من البطالة.

وهذه المراهنة قد تكون خطرة بعض الشيء ليس من قبل التشاؤم ولكن لعدم القدرة على إنجاح التقديرات والمراهنات إذ إنه وفي حال لم ينفع الـ TLTRO لا بدّ من اللجوء الى التيسير الكمي بشكل عدائي فيما يبدو انّ دراغي مرتاح لهذا التراجع الذي ما برح يتحدّث عنه في الأشهر القليلة الماضية.

وأخيراً فّإنّ استمرار قوّة الدولار يساعد المصارف المركزية التي تعاني من تضخّم غير تنافسي في عملاتها في أن يتحسّن وضعها فتتراجع امام الدولار وهذا ينطبق على المركزي الأوسترالي والمركزي النيوزيلاندي وتحدّثوا عن عملاتهما قائلين إنّ أسعارها غير منطقية وغير مبرّرة.

هذا هو الوضع حالياً، وهذه الصورة سوف تتبلور في الأشهر القليلة المقبلة إنما يبقى القول إنّ تحسّن صرف الدولار سوف يؤثر في العالم اجمع إن كان صناعياً أم ضمن الاسواق الناشئة، ومن المنتظر أن يكون تحسّنه مستمراً طالما المؤشرات الأميركية الاقتصادية تسير الى تحسّن.