IMLebanon

بعد عودة التقلب…مركب أسواق المال العالمية يبحر في مياه مجهولة

FinancialTimes
جون أوثرز

بعد أسبوع شهدت فيه الأسواق العالمية أشد التقلبات منذ أكثر من عامين، تركزت الأنظار بقوة على ظاهرة كان المستثمرون يحاولون قصارى جهدهم أن يتجاهلوها. إذ حتى بعد نوبة من عمليات البيع المحمومة لم يكن هناك شيء يبدو رخيصاً – كانت السندات والأسهم لا تزال غالية من الناحية التاريخية. ولم يكن هناك كثير من الأماكن الأخرى الآمنة لأموالهم، لأن العملات لا تحقق أي عوائد تذكر.

المستثمرون الذين تمتعوا بعوائد مثيرة للإعجاب في السنوات الأخيرة يواجهون مرحلة جديدة صعبة. فعلى مدى سنة، ظل الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي عاكفا على تفكيك تدريجي لسياسات نقدية متساهلة ساعدت على تأجيج اندفاعات السوق. ومع اقتراب العملية من نهايتها، فإن التقلب الذي كان مقيداً عاد بمنتهى القوة. وليس هناك عدد كبير من الروايات المقنعة التي يمكن للمستثمرين استخدامها لتوجيههم في الوقت الذي يحاولون فيه تحديد مكان لوضع أموالهم.

وحين يقومون بمسح لهذا المشهد، يبدو أنهم سيختارون الخيار الأقل سوءا ويضخون المال من جديد في الأسهم المكلفة، كما فعلوا بالأمس. وبعض المستثمرين يشعرون بالقلق من أن هذا يمكن أن يصبح مشكلة عما قريب.

جيريمي جرانثام، مؤسس جي إم أو، شركة إدارة الأصول في بوسطن، يرى أن عقد الصفقات الذي يشهد ارتفاعاً في الوقت الحاضر من شأنه أن “يدفع السوق للصعود إلى مستويات الفقاعات الحقيقية، وأنها بالتأكيد ستصبح مرة أخرى خطيرة جداً”. لكن في آخر توقعات للشركة على المدى الطويل، التي صدرت الأسبوع الماضي، تقول “جي إم أو”، “إن العائدات من النقد والسندات والأسهم الأمريكية خلال السنوات السبع المقبلة ستكون أقل من معدل التضخم”.

توقعات السوق الهابطة على المدى الطويل لها ما يبررها. ولأن العوائد منخفضة للغاية، تعتبر السندات الحكومية غير جذابة نهائياً. وتظهر مؤشرات التقييم على المدى الطويل أن الأسهم الأمريكية فوق قيمتها الحقيقية إلى حد غير مريح، حتى وإن لم تكن في وضع الفقاعة.

ومن خلال مقياس يستخدم على نطاق واسع، فإن أسعار الأسهم في مؤشر ستاندرد آند بورز 500 هي فقط أقل قليلاً من الذروة التي بلغتها في عام 2007، قبل الأزمة المالية – وأعلى من الذروة التي وصلت إليها في عام 1966، قبل السوق الهابطة الطويلة في السبعينيات.

وفي العادة، جرعة من تقلبات السوق وعمليات البيع المكثف التي تعمل على تطهير الزوائد تخفف هذه المشكلات وتخلق بعض الصفقات. لكن هذا البيع المكثف لم يستنفد نفسه حتى الآن. وحتى نفهم السبب، علينا أن ننظر في محركات العودة إلى التقلبات.

كانت سوق سندات الخزانة الأمريكية نقطة محورية، حيث التحرك الملحمي لصناديق التحوط نحو السندات دفع بالعائد على السندات لأجل عشر سنوات، الذي يعتبر خالياً من المخاطر بالنسبة لعديد من المعاملات، إلى أقل من 2 في المائة.

وهذا أثبت خطأ كثير من مختصي السوق وجعلهم يبدون في حالة سيئة. مع بداية العام، كان مجلس الاحتياطي الفيدرالي قد أعلن بداية برنامجه المتمثل في الانسحاب التدريجي من مشترياته من السندات الحكومية المدعومة بالقروض العقارية، المعروفة باسم التسهيل الكمي. كان القصد من هذه المشتريات هو تحفيز الاقتصاد الأمريكي عن طريق الحفاظ على عوائد السندات منخفضة. وإزالة التحفيز، كما فعل بنك الاحتياطي الفيدرالي بشكل مطرد على مدار السنة، كان من المتوقع أن ترفع العائدات.

وتوقع ما لا يقل عن 97 في المائة من الاقتصاديين الذين استطلعت “بلومبيرج” آراءهم في كانون الثاني (يناير) ارتفاع أسعار الفائدة حسبما تحددها سوق السندات خلال الأشهر الستة المقبلة. وبحلول نيسان (أبريل) ارتفع الرقم إلى 100 في المائة. وبدلاً من ذلك انخفضت العوائد بشكل مطرد على مدار العام – حتى الأسبوع الماضي، عندما تحولت عملية السقوط إلى هزيمة منكرة. وكثير من المستثمرين تم الإمساك بهم وهم يراهنون بطريقة خاطئة، واضطروا إلى التخلي عن الرهانات التي أفقدتهم في الأصل الكثير من المال.

وحتى لو تبين أن رهاناتهم كانت خاطئة، فقد كانت رهانات معقولة. فأسعار سندات الخزانة آخذة في الارتفاع بشكل مطرد منذ أكثر من 30 عاماً – منذ أن أقنع الرئيس الأسبق للاحتياطي الفيدرالي، بول فولكر، المستثمرين بأن البنك المركزي ملتزم بالسيطرة على التضخم. ويجدر بأي انتعاش أمريكي دفع العوائد نحو الصعود. لذا يشير الحساب والمنطق إلى أن أسعارها يجب أن تنخفض.

لكن الطلب على السندات لا يزال قوياً، وذلك لسببين. الأول هو الاقتصاد الكلي. فقد شهدت الأشهر الأخيرة أدلة متزايدة من الضغوط الانكماشية، خاصة من منطقة اليورو. وهذا يجتذب الأموال إلى الولايات المتحدة، ويرفع قيمة الدولار مقابل العملات الأخرى، ما يساعد على إضعاف أسعار السلع، خاصة النفط. وتراجعت أسعار النفط الخام نحو 30 في المائة منذ حزيران (يونيو)، على الرغم من الأحداث في العراق. وانخفاض أسعار النفط يخفض التضخم.

هناك حجج جيدة حول أن الاقتصاد الأمريكي لا يعتبر بعد أمام أي خطر للانكماش. وجلب الأسبوع الماضي خبرا سارا بأن عدد الأمريكيين الذين كانوا يسجلون على أنهم عاطلون عن العمل يعتبر أقل من أي شهر منذ أوائل عام 2000. لكن على الهامش زادت مخاطر الانكماش. وتصبح السندات أكثر جاذبية بكثير عندما يكون هناك تضخم ضئيل أو معدوم. والعامل الثاني الذي يدعم السندات هو العامل الفني. فمن جانبها، صناديق التقاعد أكثر تحفظاً بعد الأزمة، وهي تضع التركيز على أن تكون قادرة على ضمان تلبية التزاماتها، بدلاً من محاولة تعظيم أدائها. وهذا يعني شراء السندات.

يقول جيم سوليفان، رئيس برودنشال للدخل الثابت، التي تدير أكثر من 400 مليار دولار في صناديق السندات، “إن الأصول تحت إدارة الشركة سجلت نمواً سنويا يبلغ 20 في المائة تقريبا منذ الأزمة المالية، مدعومة بمنهجية المخاطرة الأقل الي ينتهجها مديرو صناديق المعاشات التقاعدية”. ويتوقع أن تبقى العوائد على السندات لأجل عشرة أعوام أقل بكثير من 4 في المائة لسنوات مقبلة.

لذلك، رغم أن من الواضح أن أسعار سندات الخزانة مرتفعة، إلا أنه من الخطر المراهنة ضدها.

ماذا عن الأسهم؟ لقد عانت المؤشرات الرئيسية في أوروبا الغربية واليابان هبوطا تجاوز 10 في المائة في الأشهر الأخيرة. وفي منطقة اليورو عمل ضعف البيانات الاقتصادية الألمانية وارتفاع العائد على السندات اليونانية على تجدد المخاوف من أزمة الديون السيادية. وأسهم الأسواق الناشئة تبدو رخيصة نسبياً، لكن فقط لأن مخاطرها تبدو عالية. والاقتصاد الصيني الذي يتباطأ وتتزايد فيه المخاوف من فقاعة ائتمان، يثير مشاعر كبيرة من اللبس، في حين ركز انخفاض أسعار السلع الأساسية الضغط على مصدري المواد الخام مثل روسيا والبرازيل.

لكن السوق الأمريكية بحاجة إلى تصحيح. فحتى في أدنى مستوياتها الأسبوع الماضي، لم يهبط مؤشر ستاندرد آند بورز 500 أبداً بنسبة 10 في المائة من أعلى مستوى وصل له الشهر الماضي – وهو ما يعتبر تعريفا للتصحيح.

وما من دليل على عمليات بيع مذعورة – تعتبر دائماً ضرورية قبل أن تتمكن من إنشاء أدنى مستوى لمؤشر أسعار السوق خلال فترة محددة – بينما يبدو أن الاستراتيجيين والمستثمرين الأمريكيين واثقون بشكل كبير من أن الوقت قد حان لشراء مزيد. وذكرت بلاك روك، أكبر صندوق في العالم لإدارة الأموال من حيث الأصول، أن منتجاتها في الأسهم سجلت صافي تدفقات داخلة في الأسبوع المنتهي يوم الأربعاء الماضي.

وقال ديفيد سانتشي من ترم تابس، الذي أشار إلى أن المستثمرين كانوا راضين للغاية “إن انخفاض مستوى البيع مروع جداً نظراً لحجم الخسائر الأخيرة”.

ما الذي يحرك الأسواق من هنا؟ على المدى القصير، هناك تلميحات من قبل جيمس بولارد، أحد محافظي الاحتياطي الفيدرالي، تفيد بتأجيل نهاية شراء سندات التسهيل الكمي، المتوقع هذا الشهر، يبدو أنها دفعت انتعاشاً في وقت متأخر من الأسبوع الماضي.

لكن إذا كان هناك “تباطؤ حاد” في الاقتصاد الصيني، أو استئناف للأزمة في منطقة اليورو يمكن أن يُخرِج الاقتصاد الأمريكي عن مساره، فإن السؤال سيكون ما إذا كان لا يزال لدى الاحتياطي الفيدرالي، بعد ست سنوات من مكافحة الأزمة، أي أدوات لتحفيز الاقتصاد.

يقول ديفيد باورز، من أبسوليوت للبحوث الاستراتيجية في لندن، “إن المستثمرين لديهم أمور كثيرة على المحك وإنهم استفادوا من فكرة أن الاقتصاد الأمريكي سيواصل تحسنه حتى مع انزلاق بقية العالم نحو الانكماش. فقد تفوقت الأسهم الأمريكية على بقية العالم منذ الارتفاع بعد الأزمة في عام 2009، وأصبح هذا التفوق الهائل مطرداً خلال الأشهر القليلة الماضية، ومن الصعب لهذا أن يستمر”.

وإذا ظل الاقتصاد العالمي بطيئاً – كما تشير التوقعات الأخيرة لصندوق النقد الدولي وغيره – ولكن ليس بطيئاً على نحو يكفي لدفع الولايات المتحدة إلى الركود الصريح، عندها سيستمر منطق السنوات القليلة الماضية في الانطباق. وعلى الرغم من أن السندات والأسهم غالية الثمن بالمعدل التاريخي، ليس لدى المستثمرين خيار سوى الشراء.

المؤسسات الكبيرة “مستميتة” في بحثها عن سبيل للخروج من المشكلة. ويتهافت بعضها على ما يسمى الأصول الحقيقية – وهي العملية التي سمّاها بيرني مكنمارا، من “جيه بي مورجان” لإدارة الأصول “الإدراك”. وكما يقول “لأن أسواق الأسهم العامة مترابطة مع بعضها بشكل كبير، ولأن معظم عوائد الدخل الثابت مستمرة في تخييب الآمال، ربما بدأ كثير من المستثمرين المؤسسيين يدركون أن الأسواق العامة وحدها من غير المرجح أن تحقق أهدافهم الاستثمارية طويلة الأمد”.

وتستثمر صناديق التقاعد في العقارات والبنية التحتية. وتعمل المؤسسات الأمريكية أيضاً على شراء محطات توليد الكهرباء بالرياح، والأراضي الزراعية، استناداً إلى نظرية تقول “إن العرض منها ثابت ولا مجال أمامه سوى أن ترتفع قيمته مع النمو في عدد السكان”.

أما بالنسبة لـ “جي إم أو”، التي تنشر الآن “الدليل الأساسي حول استثمار الأراضي الزراعية”، فإن إحدى فئات الأصول التي تتوقع أن تحقق عوائد تتجاوز 5 في المائة سنوياً على مدى السنوات السبع المقبلة، هي قطاع الأخشاب. ما يغري هو أن الأخشاب لا ترتبط بقوة مع النشاط الاقتصادي، وأن أسواقها هي مما يمكن التنبؤ به بشكل معقول.

لكن هناك جوانب سلبية، فهي من أكثر فئات الأصول تخصصاً. بالتالي، مثل بقية الأصول الحقيقية، من الصعب تماماً على أي شخص، باستثناء كبار الأغنياء، أن يدخل ـ صندوق الغابات في شركة GMO لإدارة الموارد ليس مفتوحاً للمستثمرين الجدد.

والأمر المحزن بالنسبة للمستثمرين العاديين أن الفرصة لشراء أحد الأصول بسعر معقول تبدو مقصورة على كبار الأغنياء. لكن إذا جعلت الحيرة في السوق من الصعب رؤية التفاصيل بدلاً من الصورة الكبيرة، فسيكون هناك خشب دائماً.