IMLebanon

الفضّة «ذهب الفقير» ومرآة الإقتصاد

Silver1

طوني رزق

تعتبر الفضة مادة صناعية الى جانب كونها من المعادن الثمينة. وتعكس تحركات أسعارها الاتجاهات الاقتصادية السلبية راهناً. وعلى رغم تحسّن الاقتصاد الاميركي الّا انّ ضعف اقتصاديات اوروبا واليابان وغيرهما سوف يحدّ من تحسّن الاقتصاد الاميركي في ظل نظام العولمة. تتفاعل أسعار مختلف الادوات المالية المتداولة في الاسواق العالمية في ما بينها من جهة أولى، ومع اتجاهات الاقتصاديات المحلية والعالمية من جهة ثانية. ومع التقلبات القوية لأسعار الفضة، وهي سلعة تعتبر التوأم الاصفر للذهب وتمثّل ما يعرف بذهب الفقير كون سعر الاونصة منها منخفض كثيراً مقارنة مع سعر أونصة الذهب. أي نحو 15 دولاراً للفضة مقارنة مع 1145 دولاراً للذهب.

غير انّ للفضة استخدامات تتجاوز تلك التي تحكم المعدن الاصفر، والتي تقتصر على كونها عملة احتياط لحفظ الثروات في فترات ارتفاع نسبة التضخم والركود الاقتصادي والحروب وأوضاع عدم الاستقرار، أكان ذلك على المستوى السياسي او الاقتصادي او فوضى الاسعار في الاسواق. وفي حين يقتصر استعمال الذهب في صناعة المجوهرات، يجري استخدام الفضة في القطاعات الصناعية، وتعتبر تبعاً لذلك مادة أولية صناعية.

وانطلاقاً من دورها كعملة احتياط وكمادة أولية صناعية، أصبح بالامكان استقراء الاتجاهات الاقتصادية من خلال قراءة تحركات اسعار الفضة. ويتابع خبراء كبار تحركات أسعار الفضة مقارنة مع اسعار الذهب هذه التحركات التي أظهرت مؤخراً انخفاضات اكبر من الذهب. ويعتبر ذلك اشارة الى انّ النمو الاقتصادي في العالم ما زال هشّاً.

وفي وقت أنهى فيه الاحتياطي الفدرالي الاميركي سياسات ضخ السيولة في الاسواق التي ساعدت في تحسّن النمو الاقتصادي الاميركي بعد ستة اعوام، ويترقّب فيه الخبراء رفعاً قريباً لأسعار الفائدة.

تتجّه مصارف مركزية كبرى، مثل البنك المركزي الاوروبي وبنك اليابان، الى توسيع سياسات التحفيز الاقتصادي، غير انّ هذه السياسات، والتي تذهب فيها السيولة المُضافة إرادياً واصطناعياً من قبل الحكومات حكراً الى أسواق الاسهم، الامر الذي يضخّم الاسعار في البورصات الى درجة باتت هذه الاسعار لا تعكس الواقع ولا يمكنها تأكيد تحسّن النمو الاقتصادي. وفي وقت تواصل أسعار الذهب تراجعها الى مستويات متدنية جديدة، تتجه اسعار الفضة الى تحقيق انخفاضات اكبر.

وتقول هذه الانخفاضات انّ الاقتصاد العالمي يتجه الى المزيد من الركود. وعلى رغم تجاهل بورصات الاسهم هذا الواقع، اصطدم المستثمرون في هذه الاسواق بتغيير مفاجىء عند حدود ما هو ضمن التوقعات في اوساط الخبراء.

وعلى رغم تحسن الاقتصاد في الولايات المتحدة الاميركية الّا انّ هؤلاء الخبراء يتساءلون الى اي مدى يمكن للاقتصاد الاميركي مواصلة الانتعاش في ظل نظام العولمة من جهة والركود الاقتصادي في أنحاء مختلفة من العالم، وخصوصاً اوروبا واليابان. امّا اسعار الفضة فأقفلت في نهاية الاسبوع المنصرم على 15,17 دولاراً للأونصة في حين أقفلت أسعار الذهب على 1169,80 دولاراً للأونصة.

المزيد من تراجع الذهب والفضة

ومع سَعي غالبية الدول الكبرى، وفي مقدمتها اوروبا واليابان وحتى الولايات المتحدة الاميركية، لتحسين النمو الاقتصادي وحثّ الناس على الاستهلاك لتحريك الدورة الاقتصادية، كان لا بد من اعتماد سياسات تخفيض اسعار المعادن الثمينة، وفي مقدمتها كلّ من الذهب والفضة.

فالتوظيف في هذه المعادن الثمينة يعقّم السيولة في الاسواق ويلجم الحركة الاقتصادية، فباتت سياسة تخفيض أسعار الذهب والفضة من الاولويات لدفع الجمهور العام للانتقال الى توظيفات مالية تخدم الاقتصاديات، ومنها الاسهم بالدرجة الاولى.

وينعكس ذلك بوضوح على بورصات الاسهم العالمية الكبرى التي ما برحت تسجّل ارتفاعات قياسية تركت غالبية الخبراء الاقتصاديين في حيرة من أمرهم، إذ خالف ارتفاع الاسهم الاتجاه الاقتصادي المتباطىء ودفع ذلك الكثيرين الى توقّع انهيارات في اسعار الاسهم، بدءاً من بورصة وول ستريت الاميركية.

وهذا الامر لم يحدث ولن يحدث بسبب السياسات النقدية المعتمدة حالياً. وحتى الولايات المتحدة الاميركية التي أوقفت سياسات تحفيز الاقتصاد وضَخّ السيولة يبدو أنها سوف تكون مستعدة للعودة الى هذه السياسات اذا رصدت ايّ اتجاه هبوطي في أسواق الاسهم. ويأتي التحذير والتوقّع بأن ترفع أسعار الفائدة الاميركية خلال العام المقبل ضمن السياسات المعتمدة لإبعاد الجمهور العام عن شراء المعادن الثمينة وتحويل توظيفاتها الى قطاعات تخدم النمو وتخفّض نسبة البطالة.

وضمن هذه السياسات العامة المعتمدة حالياً تصبّ الانخفاضات الكبيرة لأسعار النفط العالمية، علماً انّ خفض اسعار النفط يخدم تحريك العجلة الاقتصادية من خلال تخفيض كلفة الانتاج، ذلك على حساب بيع النفط بأسعار مرتفعة لا يستفيد منها الّا كبريات الدول المنتجة للنفط، والتي بات المطلوب منها حالياً التضحية لصالح تحسين نسبة النمو الاقتصادي العالمي.

وعليه، وقبل تسجيل أيّ تحسّن واضح وعمومي وعالمي للنمو الاقتصادي في كل من اوروبا واليابان والصين، وقبل ان يتأكد الانتعاش الاقتصادي في الولايات المتحدة الاميركية، فإنّ العالم سوف يواصل تسجيل الانخفاضات في أسعار الذهب والفضة معادن ثمينة أخرى والمزيد من الارتفاعات في اسعار الاسهم، ويأتي كل ذلك تنفيذاً لمقررات مجموعة دول العشرين التي كانت قد ركزت خصوصاً على دعم النمو الاقتصادي وتخفيض نسبة البطالة، وتمّ حينذاك إهمال ايّ موضوع يتعلق بضخامة الديون العامة في مختلف الدول والعجز في الموازنات.