ما حقيقة بيع العقارات في أيطو؟

ayto

يستمرّ مسلسل النزف الجغرافي والديموغرافي في المناطق المسيحيّة، وها هو يصل الى قضاء زغرتا الذي يعتبر من أهم معاقل الموارنة. وفي وقتٍ يحاول البعض حصر القضية في إطار قانوني بحت، تبقى الحقيقة الراسخة أنّ المسيحيين فقدوا 12000 م2، ليُصبح الجدل الذي رافق عملية البيع ثانوياً أمام هول التراجع الجغرافي والديموغرافي للمسيحيّين.

ففي حين يُثير هذا الملف بلبلة في قضاء زغرتا، بصرف النظر عن مواقف مختلف الأطراف منه، لا تنفكّ البطريركية المارونية ترفع الصوت عالياً داعية المسيحيين الى وقف مسلسل البيوعات.

وفي هذا السياق، طالبت بكركي “التفتيش المركزي القضائي بالتحرّك فوراً والتحقيق في هذه المسألة”.

ويؤكد رئيس اللجنة النيابية المنبثقة عن اجتماع بكركي لمتابعة ملف بيع الأراضي، المطران بولس صيّاح لـ”الجمهورية”، “متابعة موضوع بيع اراضي المسيحيين، والوقوف بالمرصاد لأيّ محاولة تحصل في هذا السياق”.

تفاصيل عملية البيع

في التفاصيل، أنّ الشاري طلال محمود بسام الفاضل حصل في تشرين الثاني 2014، على إفادات بالمحتويات لكلّ من العقارات التالية:

– 888 ايطو مساحته 119 م2 و890 ايطو مساحته 73 م2 واللذين باعتهما المدعوّة فيفيان سامي مطر، والدتها لويزه مواليد 1959 رقم السجل 68/110 سن الفيل.

– 897 ايطو مساحته 1859 م2 باعته ماري الياس نعيم، والدتها كليمانص مواليد 1965 سجل 68/110 سن الفيل.

– 895 ايطو ومساحته 2409 م2، و912 ايطو مساحته 5525 م2، باعهما فيفيان مطر وماري نعيم.

علماً أنّ الفاضل سبق أن اشترى هذه العقارات منذ أكثر من 5 سنوات خلال عهد رئيس الاتحاد السابق ورئيس البلدية السابق طوني سليمان.

إلّا أنّ سليمان، ولدى اطّلاعه وَقتها على هوية الشاري في الإفادات العقارية، رفض إعطاء الفاضل إفادات بالمحتويات، وذلك بناءً على قرار ضمني بين رؤساء بلديات القضاء، تحسّباً من خطر التغيير الديموغرافي، وحرصاً منهم على تثبيت الوجود المسيحي.

ويوضح مصدر من البلدة، لـ”الجمهورية”، أنّه في حال مماثلة، “يأخذ رئيس البلدية المسألة على عاتقه، واذا أصرّ أصحاب أي عقار على بيعه، يتكفّل شخصياً بتأمين شارٍ من الطائفة المسيحية، وذلك في حال تعذّره بَيعها لأحد سكان البلدة”، لافتاً إلى أنّ “رؤساء بلديات القضاء يلجأون، لدى إعطائهم الافادة، إلى وضع اشارة على العقار في الدوائر العقارية، حرصاً على عدم بيع العقار الى شار آخر من غير الطائفة المسيحية”.

غير أنّ المفارقة كانت، بحسب المصدر، أنّ “الشاري سجّل العقارات بعدما فرطت البلدية، فحصل على إفادة المحتويات بعد تولّي القائمقام صلاحيات البلدية”، وربطوا بين انتماء رفاعي الى طرابلس وانتماء الفاضل الى الضنية. مع العلم أنّ من واجب القائمقام القانوني إعطاء إفادة المحتويات لصاحب العقارات وصاحب الحق.

ويشير المصدر الى أنّ “لسان حال أهالي المنطقة هو السؤال عن سبب موافقة القائمقام على صفقة من شأنها أن تسهم في التشويه الديموغرافي لساحل القضاء الزغرتاوي”.

تنفي قائمقام زغرتا لـ”الجمهورية”، الاتّهامات التي تتعرّض لها، مؤكدة أنّ “الشاري لم يتقدّم الى القائمقامية لطلب أيّ افادة بالمحتويات، علماً أنه لم يمر أكثر من بضعة اشهر على استلامي منصبي بالنيابة عن بلدية ايطو، ولقد تحدّثتُ الى الفاضل الذي أكد لي الأمر”.

وإذ تلفت إلى أنه “لا يحقّ لي قانونياً، عدم إعطاء افادة بالمحتويات لصاحب العقار، ولكنني أعرف في المقابل كيف يفكّر أهالي زغرتا وموقفهم في حال أراد غريب شراء عقار في منطقتهم”، تشدّد على دعمها الكامل لهم، “إذ يجب عليّ مراعاة مشاعرهم كوني استلمتُ ادارة الضيعة، حتى لو لم أطبّق القانون، وبالتالي لا أعارض مشيئتهم”.

وتؤكد رفاعي أنّ “الفاضل أبدى كل تعاون معنا ومستعد لإعادة العقارات الى الأهالي”، مشيرة إلى أنّهم “ضخّموا الموضوع كثيراً، فأرقام مساحات العقارات التي أشيعت غير صحيحة، وأنا أعرف تماماً من يحرّض ضدي”.

بدوره، يقول مختار ايطو ريمون علوان لـ”الجمهورية” إنه يتواصل مع الفاضل، ويعمل بإيعاز من القائمقام، على بيع العقارات الى أحد أبناء البلدة،

وهو ما أعلنه الفاضل مؤكداً لـ”الجمهورية”، استعداده “ليس لِبيع العقارات فقط، بل لتقديمها هدية إلى من يشاء من الأهالي، تعبيراً عن حسن نيّتي”.

وينفي الفاضل أن يكون تقدّم شخصياً الى القائمقامية لطلب افادة المحتويات، “بل إنّ معقّب المعاملات سعد جبران هو من حصل عليها باسمه الشخصي، كوَكيلي”. مؤكداً أنّ “هذه العقارات غير معروضة للبيع وغير مؤهلة أساساً للاستثمار، ويبدو أنّ هناك مَن يستغلّ الموضوع لشنّ الحملة ضدّ القائمقام”.

ويكشف الفاضل أنّ “أجدادي يملكون عقارات في أيطو منذ مئات السنين، وبالتالي لست غريباً عن المنطقة، بل أشعر أنني أنتمي الى زغرتا أكثر من انتمائي الى طرابلس”، مضيفاً: “لست ممّن يحملون شعار تهجير المسيحيين بل على العكس، فأنا كنتُ من أول المناضلين في سبيل الدفاع عن الوجود المسيحي”، كاشفاً أنه يملك “عقارات في عدد من قرى زغرتا في دير نبوح ورشعين وكفريا ودنحي وايطو، ولديّ سندات تمليك بإسم جدي من أيام العثمانيين”.

في المحصّلة، وإزاء الهواجس من مغبّة الهجمة الكبيرة بملايين الدولارات على شراء أراضي المسيحيين، وفي ظلّ انعدام أي رؤية لحلٍّ متكامل يعالج جذور هذه المعضلة من خلال تحصين الحضور المسيحي وتعزيز مقوّمات ثبات المجتمع الثقافية الاجتماعية والاقتصادية بما يؤدي الى مَنع البيع نهائياً، يقول رئيس “حركة الأرض اللبنانية” طلال الدويهي لـ”الجمهورية”، إنّ “السبب المباشر لتفاقم معضلة بيع أراضي اللبنانيين المسيحيين إلى غير المسيحيين هو القانون اللبناني”، داعياً الدولة اللبنانية إلى “أن تعيد براءة الذمّة وحقّ الشفعة للبلدية. إذ لا شكّ أنه إذا لم ينصف القانون اللبنانيين بأملاكهم، فلا إمكانية لضبط هذه المعضلة التي تتحوّل تدريجاً الى صراع قد يؤدي الى صراع طائفي – مذهبي”.

ويضيف: “نستصرِخ ضمائر المسؤولين السياسيين الذين يهمّش عدد كبير منهم مسألة بيع الأراضي، أكان ذلك في مجلس النواب أو من خلال الحكومة، في وقت يتّجه هذا الملف إلى الانفجار”، معتبراً أنّ “قانون البيع والشراء بين الطوائف وقانون تملّك الأجانب يحتاجان الى التعديل”.

ويختم الدويهي: “أنا شخصياً وبصفتي رئيس “حركة الأرض”، سحبتُ يدي ممّا يدور في زغرتا -الزاوية، إذ ضربني اليأس، نتيجة عدم تعاون القيّمين والمعنيّين، فيطغى على الملف التخلّف والحماية السياسية للباعة والسماسرة”، مشدّداً على أنّ “هذه قضية شعب وإذا لم يتكاتف الشعب لاستدراك الكارثة فـ”العَوض بسلامتنا”.