IMLebanon

تداعيات إقتصادية للإتفاق على النووي الإيراني

iran-nuclear

بروفسور جاسم عجاقة
عقب الاتفاق المبدئي الشهير في 2 أيار الماضي، تتسابق الدول الأعضاء الثابتة في مجلس الأمن إضافة إلى ألمانيا من جهة وإيران من جهة ثانية للوصول إلى إتفاق نهائي حول البرنامج النووي الإيراني.

وكان الحدّ الأقصى للوصول إلى هذا الاتفاق 30 حزيران الماضي، لكن تمّ تمديد هذه الفترة إلى 7 تموز من هذا الشهر. وهذا التمديد كان متوقَعاً نظراً للتباعد في وجهات النظر حول بعض الأمور التقنية التي ما زالت حتى الساعة مشكلة حقيقية أمام الوصول إلى هذا الإتفاق.

ومن أهمّ المشكلات التي تعترض هذا الاتفاق، مشكلة التحقّق من أنْ لا نوايا لإيران بإمتلاك السلاح النووي وهذا ما تمّ تسميته بـ «البعد العسكري المحتمَل». وفي تقرير أصدرته الوكالة الدولية للطاقة الذرية في 1 تموز الماضي، أقرّت هذه الأخيرة أنّ المخزون الإيراني من اليورانيوم المُخصب (7537 طن) قلّ إلى ما دون الكمية التي تمّ الاتفاق عليها في العام 2013. لكنّ المخاوف تبقى مع زيادة المخزون من «سادس فلوريد اليورانيوم» وهو أحد أشكال اليورانيوم التي تُستخدم مباشرة في تصنيع الأسلحة النووية.

وهذا ما يُظهر إلى العلن مُشكلة الرقابة على المُنشآت العسكرية الإيرانية وما لهذا الأمر من عواقب نظراً لسرّية هذه المُنشآت. أيضاً هناك مشكلة آلية رفع العقوبات الاقتصادية نظراً إلى أنّ هذه العقوبات تمّ فرضها بشكلين: عبر مجلس الأمن وثنائياً من قبل دول غربية. والسؤال هو عن كيفية رفع هذه العقوبات خصوصاً إذا ما خلّت إيران بوعودها لاحقاً بعد رفع العقوبات.

الحاجة إلى إتفاق…

لا يُخفى على أحد الرفض القطعي الذي تُعلنه إسرائيل والسعودية لإمتلاك إيران لسلاح نووي خصوصاً بعد التهديدات المُباشَرة التي قام بها الرئيس الإيراني الأسبق أحمدي نجاد الذي توعّد بمحو إسرائيل عن الخريطة العالمية والمواجهات غير المباشرة بين السعودية وإيران في العراق واليمن.

لكنّ الغريب في الأمر هو حاجة بعض الدول التي تُعارض تسلّح إيران، إلى الوصول إلى إتفاق يريحها من الخطر العسكري ولكن يريحها أيضاً إقتصادياً كدول الإمارات العربية المُتحدة وعلى رأسها إمارة دبي. هذه الحاجة ظهرت مع ظهور العقوبات في العام 2012 حيث كان حجم التبادل التجاري بين إيران ودبي بحدود الـ 12 مليار دولار أميركي وقلّ بنسبة 30% بحسب صندوق النقد الدولي إثر فرض عقوبات.

كما أنّ الإغتراب الإيراني الكبير في إمارة دبي (الثاني بعد الولايات المُتحدة الأميركية) كما وفي باقي الدول العربية التي يتواجد فيها الشيعة كالعراق وسلطنة عُمان وقطر وحتى دولة الكويت يعمد بشكلٍ تلقائي إلى معاودة التبادل التجاري بشكله المُتوقَع.

وهذه الحاجة لا تتوقف على الدول العربية بل تطال الدول الإقليمية وعلى رأسها باكستان التي تنتظر بفارغ الصبر الوصول إلى إتفاق مع إيران لكي تُكمل العمل على خط الغاز الطبيعي بين إيران وباكستان (جريدة الجمهورية تاريخ 11 نيسان 2015). أيضاً هناك أفغانستان التي يعيش فيها أقلية شيعية وتركيا التي تسعى إلى إستعادة أمجاد التبادل التجاري مع إيران أيام حكم الأتراك إيران على أثر تقهقر الأمبراطورية الفارسية.

أيضاً لا يُمكن نسيان الدول الغربية التي تطمع بنفط إيران وغازها والتي أرسلت وفوداً كبيرة إلى إيران إثر الإنفتاح الغربي عليها (جريدة الجمهورية تاريخ 8 شباط 2014) وهي التي بأمس الحاجة إلى الإستثمار في فرص جديدة مع تعثّر الاقتصاد العالمي منذ الأزمة المالية العالمية في العام 2007-2008.

وبالطبع إيران التي تعيش تحت عبء العقوبات الاقتصادية والتي حرمتها من فرص اقتصادية كثيرة وأدّت إلى تراجع التطوّر الاجتماعي في المجتمع الإيراني وحرمته من التكنولوجيا الغربية بكلّ أبعادها.

إستراتيجية مُربحة للجميع…

نعم إنّ الوصول إلى إتفاق على البرنامج النووي الإيراني هو أمر مُربح للجميع (Win-Win Strategy). وهذا الربح يطال الشقّ السياسي (زوال الخطر بالنسبة لإسرائيل والسعودية) والإقتصادي. فعلى الصعيد الاقتصادي، سيسمح هذا الاتفاق برفع العقوبات الاقتصادية وبالتالي ستنعم إيران بإستثمارات هي في أشدّ الحاجة لها كما سيسمح لإيران ببيع نفطها وغازها ما سيؤمّن لها مدخولاً مالياً مهماً ستستخدمه من دون شك في تطوير الاقتصاد الإيراني وبالتالي المُجتمع الإيراني.

على الصعيد الإقليمي، فإنّ الاتفاق سيسمح للدول المُجاورة مثل قطر، الإمارات العربية المُتحدة، عُمان وتركيا بزيادة حجم التبادل التجاري مع إيران وهذا ما سيدفع بإقتصاداتها بشكلٍ ملحوظ خصوصاً تركيا التي تهدف إلى المُحافظة على موقعها كأوّل دولة إقليمية إقتصادياً أمام السعودية. هذه الأخيرة بالطبع لن تعمد إلى تطبيع العلاقات مع إيران ما سيسمح لتركيا بالمحافظة على موقعها.

على الصعيد العالمي، من المُتوقع أن تحظى الشركات الأميركية بحصة الأسد من العقود التجارية مع إيران تليها الدول الأوروبية والآسيوية. ومن أكثر القطاعات التي ستستفيد من هذه العقود شركات النفط والطيران المدني والصناعة العسكرية. أيضاً يُمكن ذكر قطاع الأدوية التي تفتقر لها إيران بشكل كبير.

لبنانياً، من المُتوقع أن لا يستفيد لبنان بحجم كبير من العقود نظراً للإنقسام الحاد على الساحة السياسية والتي ستمنع الإتفاقات من دولة إلى دولة. لكن المُلفت في الأمر هو الزيادة المُتوقَّعة من الودائع الإيرانية في المصارف والشركات المالية اللبنانية بهدف الإستثمار في الأسواق المالية كما وحجم التبادل التجاري في بعض القطاعات التجارية وقطاع السياحة.

لكن ولكي لا يكون هناك خيبة أمل مثلما ما حصل مع مصر في المؤتمر الدولي الذي أقامته والذي لم يحصل فيه لبنان على أيّ عقد، من المُحبَّذ بدءُ دراسة إمكانية التعاون في مجال الطاقة مع الجمهورية الإسلامية على أساس دولة لدولة كما وجعل لبنان HUB للبضائع الإيرانية المُتجهة إلى أفريقيا وأوروبا. هذا الأمر ستكون له تداعيات إيجابية على حركة الترانزيت في مرافئ لبنان التي ستحتاج إلى عملية تأهيل وبالتالي إستثمارات يُمكن جلبها من مُستثمرين خليجيين أو إيرانيين.