IMLebanon

عاصفة الرمال المؤقتة لا تحجب نمو الأزمات الحياتية المقيمة

sand-storm-beirut-lebanon
عدنان الحاج

كان ينقص لبنان العاصفة الرملية ليكتمل «النقل بالزعرور» فبعد تراكم النفايات في الشوارع وآثارها على تلويث الجو والأضرار بصحة المواطنين، وبعد تزايد أزمة الكهرباء وانقطاع المياه، جاءت عاصفة الغبار لترفع عدد الأضرار في البشر.
فحالات الاختناق التي أصيب بها المواطن من البقاع إلى بيروت، نتيجة الأوضاع السائدة على مختلف الصعد، زادتها العاصفة الرملية.

فتعداد الأزمات في البلاد، مضافاً إليها غياب المسؤوليات والمسؤولين في أجهزة الدولة، هذه الأزمات وحدها تحتاج مئات الأسطر والفقرات لتعدادها من دون تعليقات وانتقادات على حجم التقصير. هذا بالنسبة للأمور والخدمات التي يمكن أن تعالج بتدابير من الدولة، فكيف الحال بتلك التي تخرج عن قدرة المسؤولين والمؤسسات في الدولة وتأتي من الطبيعة.
في الحقيقة إن هناك مساواة بين الأزمات القابلة للمعالجة من المسؤولين (النفايات، الكهرباء والحدّ من تلوث البيئة والصحة)، وبين الأزمات الطبيعية التي تعجز بعض الدول وفي مقدمها لبنان عن معالجتها، سواء من عواصف الغبار في الصيف، أو عواصف الشتاء، حتى بات الأمر ينطبق على اللبنانيين الذين يختنقون من «حر الصيف وبرد الشتاء» وعواصف الأزمات الحياتية التي تدخل البيوت من دون استئذان.
1ـ فمشكلة الغبار والأتربة التي تغرق البلاد وتحمل المواطن أعباء الصحة، وكلفة تنظيف السيارات التي غرقت بالوحول والأتربة تعتبر الأقل سوءاً لكونها غير دائمة وتنحسر تلقائياً بعد أيام من دون أن تكلف المسؤولين عناء التدخل. سوى بمعالجة المرضى الفقراء الذين يصابون بالاختناق والضائقة الصحية وصعوبة التنفس والمطالبة، هذا في حال وجود أسرّة على حساب وزارة الصحة، لكون المستشفيات تفضل من يحمل بطاقات الاستشفاء من شركات التأمين ومرضى الضمان الاجتماعي بالمرتبة الثانية وإذا بقيت أسرّة تقبل مرضى الصحة التي يناضل الوزير وائل أبو فاعور من أجل جعلها سهلة أمام المواطنين وهو أمر خاضع للابتزاز وتضخيم الفواتير في حال حصوله على حساب المواطن والخزينة العاجزة.
2 ـ فالاختناق السياسي الاجتماعي والمعيشي الذي يعاني منه المواطن في لبنان، يزداد في غياب المعالجات، وترتفع حرارته مع حر الصيف، فكيف الحال مع تراكم النفايات في زوايا الشوارع والمناطق، وشح الكهرباء، بينما الجدل ما يزال قائماً حول مسار ومصير معالجة أزمات معيشية عمرها سنوات؟
3 ـ كلفة الفاتورة الصحية بين الوزارة والمؤسسات الضامنة (الضمان والصحة والتأمين الخاص والمرضى الخصوصيين الذين يعالجون على حسابهم) تفوق 580 مليون دولار سنوياً إذا ما تم احتساب كل فئة على حدة ومنها الضمان الذي يصرف حوالي 280 إلى 320 مليار ليرة سنوياً والصحة التي تصرف أقل من هذا المبلغ بقليل تُضاف إليها تعاونية موظفي الدولة والصناديق العسكرية وغيرها.
فالكلفة باتت كبيرة على المواطن الذي يدفع الفروقات قبل التعرفة الاستشفائية والطبية الموحدة وبعدها، فكيف الحال مع الأزمات الطبيعية الطارئة التي تصيب البلاد؟ فالمواطن يدفع الأعباء التي كان مصدرها والمسؤولون في مكان آخر ويشتغلون على موجة غير موجة معالجة هموم الناس.
4 ـ كأن لبنان لا تكفيه الآثار الاجتماعية لحروب المناطق والدول المجاورة فجاءه عنصر آخر ليرفع من حدة الأزمات وتزايد الأكلاف على الدولة المسروقة والأعباء على المواطن المنهوب.
لكن الأخطر هي أن حدة الأزمات وآثارها تزيد مع غياب الحد الأدنى من خدمات الكهرباء ونظافة البلاد. في المحصلة إن المكان الوحيد الذي يبدو نظيفاً في ظل موجة الغلاء وارتفاع الأسعار وتردي الخدمات، هو جيب المواطن وحده الذي يزداد نظافة كلما ازدادت ملاءة المسؤولين من السمسرات على قطاعات الخدمات الأساسية في حين تزداد جيوب المواطنين من أصحاب الدخل المحدود والمتوسط فراغاً وشغوراً ونظافة من مقومات مواجهة الأعباء المتزايدة في ظل تعدد فواتير المياه وفواتير الكهرباء وفواتير الهاتف الذي يحمل المواطن في كل مجال 3 فواتير، بينما دخله أقل من واحد في ظل البطالة وتراجع فرص العمل.
فنمو الأعباء يملأ الفراغ السياسي والرئاسي، وقوة الأزمات تلفّ ضعف مؤسسات الدولة. ولا يوجد سوى الشعارات والمتاجرة بشؤون الناس وهمومهم من قبل القوى السياسية التي تكون داخل السلطة وتنتقد الدولة حتى أصيب المواطن صاحب الحق بالحَوَل في ظل تناقض الحركات والمطالبين والتحركات.
أخيراً إن غياب النقابات والأحزاب السياسية الفعلية ونقابات المهن الحرة عن الحراك المطلبي مع الضرب المقصود للقوى الطالبية التي كانت موحّدة أفقد المواطن والنشاط المطلبي الذي بدأ بمحاولات شبابية تحارب من القوى السياسية، كونها موجهة ضدها. وهذا يفترض دعم الحركة الشبابية من النقابات المستقلة والهيئات البعيدة عن الزعامات السياسية والتجارية. كل ذلك يتحقق بسرعة في ظل انتشار غبار الأزمات ومن بعدها الغبار والعواصف الطبيعية؟