IMLebanon

خطط “الإستدامة”.. الإنتاج والإستهلاك لا ينفصلان

raining 1
مارسيل محمد

برغم ربط التقارير والدراسات الدولية بين تحقيق التنمية وتطوير القطاعات الانتاجية، وتحسين قدرة المواطن على الاستهلاك وتطوير نمط حياته والخروج من دائرة الفقر والأخطار الاجتماعية- الاقتصادية، الا ان التجاوب لم يصل الى مرحلة متقدمة، خصوصاً على مستوى اتخاذ القرار الرسمي في الدولة. والمشكلة الابرز ان الدولة اللبنانية تنفتح بشكل لافت على الحلول التي تستهدف الإستهلاك فقط، في حين ان الملاءمة بين الاستهلاك والانتاج هي الحل الأنسب. فالاستهلاك المستدام، وهو جانب مهم في عملية الحفاظ على موارد البلاد، تقابله ضرورة تعزيز الانتاج الذي يفترض به تعويض الاستهلاك، او على الاقل السير بالتوازي معه، خصوصا اذا كان الاستهلاك “مستداماً”. وربط الاستهلاك والانتاج بالبيئة، يخفض فاتورة التدمير البيئي – الاقتصادي، وهو ما يحتاجه لبنان الذي يدفع “756 مليون دولار سنوياً” ككلفة للتدهور البيئي، وفق ما أكده وزير البيئة محمد المشنوق الذي مثّل رئيس الحكومة تمام سلام في افتتاح المؤتمر السنوي للمنتدى العربي للبيئة والتنمية، في بيروت، والذي اقيم الإثنين، تحت عنوان “الاستهلاك المستدام: من اجل ادارة أفضل للموارد في البلدان العربية”.

المشنوق أكد أن الحكومة اللبنانية، كما الحكومات العربية، تحتاج إلى “تجديد التزامها بالتحول نحو أنماط استهلاك وإنتاج مستدامة. وتتبع مقاربة الاستهلاك والإنتاج المستدامين من منظورها الشمولي وطابعها الشامل، وهي ستسمح لنا بتحقيق المكاسب الاقتصادية والاجتماعية من دون تقويض المنافع البيئية”. الإعتراف بالأزمة يفترض ان يكون المدخل لحلها، الا ان المعطيات والامكانيات المتوافرة في لبنان، لا تبشر بالخير، فالإستهلاك المستدام، يعني إدارة الاستهلاك، وهو أمر يحتاج الى “إستنفار” لأجهزة الدولة الإقتصادية والبيئية والإجتماعية، ويترافق ذلك مع “إستنفار” لوزارات الزراعة والتجارة والإقتصاد، لتعزيز الانتاج في القطاعات التي ترعاها هذه الوزارات. هذا الاستنفار مفقود، ويدل على فقدانه، مجموع الأزمات السنوية المتكررة، كالفيضانات والنفايات وعدم الإستعداد لكوارث الثلوج وانجرافات التربة وتدمير المحاصيل الزراعية… وغير ذلك. على أنّ أزمة النفايات، باتت الحجر الأساس الذي يجب ان تستند إليه أي عملية تحمل شعار “الإستدامة”، فكيف للإستدامة ان تتحقق في ظل عدم الإتفاق على المستوى الرسمي حول ضرورة وآلية حل إحدى أخطر انواع الازمات؟، وبغياب الاتفاق، يصبح كلام المشنوق عن “تحسين نوعية الحياة والرفاه، مع إشراك فاعل لجميع المعنيين من الهيئات العامة إلى القطاع الخاص، والمؤسسات البحثية والمجتمع ككل”، حبراً على ورق.

من جهة أخرى، فإن محاولة الإصلاح، أفضل من لا شيء. وعليه، “باشرت وزارتا البيئة والصناعة في لبنان وضع خطة عمل للاستهلاك والإنتاج المستدامين للقطاع الصناعي في لبنان”، الا ان المشنوق، لم ينس، وعلى عادة أهل السلطة، رمي المسؤولية على النتيجة لا السبب. فالمشنوق أكد ان الخطة ستشمل “تعزيز الابتكار، وأفضل التقنيات المتاحة عبر السلسلة الكاملة لإنتاج السلع، واستخدام الموارد”، معتبراً ان ذلك “مهم، نظرا الى النقص الحاد في الموارد الطبيعية، ولا سيما في مجالات مثل الطاقة والمياه”، لكن المشنوق لم يدرك انه ليس هناك نقصاً في الطاقة والمياه في لبنان، انما هناك نقص في إدارة هذه الموارد، نتيجة الفساد الإداري والمحاصصات التي تمنع اجراء السدود والاستفادة من المياه، وتمنع تطوير قطاع الطاقة، وخصوصاً الكهرباء، هذا من دون الدخول في سجالات ملف النفط. وجدد المشنوق الدعوة الى “تطوير أدوات للحد من الاستهلاك المفرط وغير المسؤول للمياه”، وهذا ما دأب وزراء البيئة والطاقة على الدعوة إليه، لكن العبرة في التطبيق.

وأضاف المشنوق ان لبنان سيتبنى “تطوير السياسات اللازمة والإطار القانوني المناسب لتشجيع الاستهلاك والانتاج المستدام في القطاع الصناعي… وسينصب جل تركيزنا على تأكيد جودة السلع اللبنانية وقيمتها المضافة العالية، على جميع المستويات الاقتصادية والاجتماعية والبيئية”. غير ان ما تقدم يتناقض مع السياسات العامة للحكومة، والتي لا تولي أهمية للقطاع الصناعي ولغيره من القطاعات، بالقدر الذي يسمح للصناعات والمنتجات اللبنانية بالمنافسة، وبالتالي وضع الانتاج والاستهلاك المحلي على سكة “الإستدامة”. فالإهتمام بالانتاج المحلي، ورعاية إستهلاكه بشكل مدروس، يؤدي الى الإستدامة، على عكس فتح الباب امام عشوائية المنافسة التي تضرب الانتاج اللبناني وتعيق الإستهلاك الصحيح.
أيضاً، شرح المشنوق أن الخطة ستتضمن العمل على “تثقيف المستهلك وتوعيته لدعم واعتماد المنتجات التي يتم تصنيعها واستخدامها والتخلص منها بشكل مستدام ونشر التوعية حول الخدمات البديلة وحصتها في الأسواق”. لكن التثقيف والتوعية، يفترضان وجود ثقة متبادلة بين طرفي عملية التثقيف، وهو امر مفقود في الحالة اللبنانية، التي تلعب الدولة فيها دور المثقِّف، والمواطن دور المتثقِّف، وعدم الثقة يعود الى عدم جدية العمل لإيجاد حلول للأزمات.

الموقف الرسمي من عملية تحقيق الاستهلاك والانتاج المستدام، تقلل من “زخمه” بعض الأصوات داخل الوزارات. اذ تؤكد مصادر “المدن” في وزارة البيئة، ان “نية التغيير والتطوير قد تكون موجودة لدى أغلب الوزراء، وليس فقط في وزارة البيئة، الا ان قاعدة العمل السياسي في لبنان، تؤدي الى نتائج عكسية”. كلام المصادر لا يعني التشاؤم بصورة مطلقة، لأن الحل في جميع الأحوال، “لا يمكن انتظاره فقط من أروقة الوزارات”، فالقنوات الرسمية تكون مكبلة الى حد كبير بـ “القوانين والإجراءات الروتينية”، لذلك، فإن “خبرات القنوات غير الحكومية، والوعي الشعبي”، هي بداية الحل، حتى وان لم يصل الأمر الى الخروج الى الشارع.