
لم يخطر ببال فؤاد، من سكان بلدة في البقاع الاوسط، ان مياه الشفة التي انتظر وصولها الى منزله منذ العام 1992، سيحظى بها مؤخرا كسواه من آلاف البقاعيين الذين افتقدوا طويلا هذه «النعمة»، التي توفرت اخيرا على اثر قرار اوروبي واميركي، تكفل بالعمل على تأمين موارد مائية سليمة لتجمعات النازحين السورية، من خلال استبدال شبكات الجر المهترئة باخرى جديدة بهدف ايصال هذه المياه السليمة إليهم، ولا ضير في ذلك ان استفادت منها المجتمعات اللبنانية المحلية و المستضيفة.
من بوابة اغاثة النازحين السوريين وتأمين موارد مائية بشكل سليم وآمن لتجمعاتهم العشوائية، سيطوي البقاعيون مأساتهم التاريخية المزمنة مع شبكات جر مياه الشفة، التي مضى عليها عشرات السنين، حتى تجاوزت سنيها يوبيلها الذهبي، اي ما يزيد عن 50 سنة على انشائها.
تغيير الشبكات المهترئة
تكفل المجتمع الدولي والهيئات الدولية التي تعمل في مجال اغاثة النازحين السوريين بـ «اعادة نفض كل شبكات الجر» على طول البقاع، من اجل ايصال مياه سليمة ونظيفة الى تجمعات النازحين السوريين، التي تقع ضمن القرى والبلدات البقاعية التي ستتقاسم المياه النظيفة مع النازحين السوريين، بعد ان يتم تمديد شبكات جديدة داخل هذه القرى، ومن ضمنها احياء سكنية لم تعرف اساسا في تاريخها مياه الشفة الرسمية، وينقصها منذ عشرات السنين شبكات مياه شفة.
يلاحظ على طول البقاع سباق بين الهيئات الدولية الاغاثية على تلزيم مشاريع مائية، وتغيير شبكات الجر المهترئة، ومنها ما تم تدشينه ووضع قيد الخدمة على مثال مجدل عنجر في البقاع الاوسط، وآخر تم الاعلان عن تلزيمه على مثال عانا وجب جنين بتنفيذ من منظمة اليونيسيف.
كما شهدت منطقة البقاع الاوسط في اليومين الماضيين الاعلان عن مشروع ممول من الاتحاد الاوروبي يرمي الى تغيير شبكتي مياه الشفة في منطقتي ابلح وتعلبايا في البقاع الاوسط، وهو مشروع اطلقته مؤسسة الرؤية العالمية ومفوضية الامم المتحدة لشؤون اللاجئين واوكسفام و «جي في سي» بالتعاون مع مؤسسة مياه البقاع، في لقاء عقد في كريستال قادري الكبير في زحلة بحضور عدد من رؤساء البلديات البقاعية وممثلي الهيئات الدولية المانحة.
خريطة مشاريع متعددة
خريطة مشاريع المياه متعددة في البقاع، وتطال ايضا جديتا وسعدنايل والناصرية وشتورة وقب الياس ورياق، اضافة الى تعلبايا وابلح، والاخيرتين اختيرتا من قبل الرؤية العالمية، على اثر دراسة لواقع المياه في هاتين البلدتين، حسبما يقول مدير المشروع بول سقيم، الذي وجد ان 28 في المئة من الاسر المقيمة في ابلح و55 في المئة من الاسر المقيمة في تعلبايا متصلة بشبكة المياه العامة، ولكن برغم ذلك لا تصل المياه الى كل الحنفيات، وتعاني حتى هذه الاسر على قلتها من انقطاع متكرر في المياه بمعدل 4 مرات في الاسبوع يتبعها نوعية مياه سيئة وغياب توريد المياه بشكل مستمر.
تركيب شبكة بطول 13 كلم
في ابلح سيتم تركيب شبكة جر مياه بطول 13 كلم، وستصل المياه الرسمية الى منزل جوزف ابو نعوم، الذي يسكن ابلح منذ 20 سنة لاول مرة في حياته، كما هي الحال عند طوني الذي اعتاد على دفع 30 الف ليرة اسبوعيا ثمن صهاريج مياه منذ اكثر من 15 سنة، الا انه سينتظر سنة اخرى من اجل انجاز مشروع مد الشبكة الجديدة، التي تصل الى منزله، وهي شبكة مياه بطول 20 كلم وتستغرق الاعمال الانشائية، أكانت في ابلح او تعلبايا حوالي سنة كاملة.
في المقابل، فان مشروع المياه في ابلح وتعلبايا يهدف الى ربط 6 آلاف وحدة سكنية، ويؤمن المياه الى ما مجموعه 37 الف مقيم في البلدتين من لبنانيين وسوريين، وذلك حسبما يشير مدير المشروع بول سقيم الذي يؤكد ان الاعمال الانشائية ستنطلق في آذار 2016 وتنتهي في آذار 2017.
دور للنازحين السوريين بتأمين المياه
لا ينفي مدير عام مؤسسة مياه البقاع المهندس مارون مسلم دور النازحين السوريين في هذه المشاريع المائية، انما يؤكد على ما يسميه «اولويات مجتمعنا المحلي اللبناني»، الذي يستفيد بشكل مباشر من هذه «النفضة» لشبكات الجر والممولة اوروبيا واميركيا في ظل انعدام الامكانيات المالية الرسمية، لافتا الانتباه الى ان كلفة المشاريع المائية الممولة من الاتحاد الاوروبي في منطقة البقاع، بلغت ما يزيد على 8 ملايين يورو، اضافة إلى ما يقارب 3 ملايين دولار، وهي مشاريع تهدف الى تخفيف الهدر التقني والتلوث في الشبكات وتعمل على تحسين نوعية المياه.
وأفاد مارشيلو موري، رئيس قسم التنمية المستدامة لدى وفد الاتحاد الأوروبي، «أنّ العمل الجاد وإصرار شركاء الاتحاد الأوروبي في هذا البرنامج سيُكافآن بنتائجه المتوقعة التي تتنوع ما بين توفير توريد المياه بنوعية جيدة وبكمية كافية، بكلفة معقولة للجميع».
وشدد فران بايتريسون، ممثّل أوكسفام في لبنان على وجوب أن «تحظى المجتمعات بحق الوصول إلى نوعية وكمية كافية من المياه. ومع نظام الرصد الجديد، ستتمكّن السلطات المحلية من ترشيد استهلاك المياه وتوفير الخدمات الجيّدة للمقيمين في المنطقة».
ولفت مساعد ممثّل مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين في لبنان جان ماري غاريلي الانتباه الى دور الاتحاد الأوروبي الذي يقوم بواسطة هذا البرنامج بمساهمة أساسية حرصا على حصول الناس في جميع أنحاء البقاع على مياه أكثر جودة وربط المزيد من العائلات بشبكة توريد المياه».
يشار الى انه في الآونة الاخيرة شهدت مختلف القرى البقاعية زيارات دولية تحضيرية من اجل تلزيم مشاريع مائية ومنها في بلدتي جبولة وزبود في البقاع الشمالي، في ظل حركة زيارات ناشطة تحمل توقيع هيئات دولية مانحة تركز على موضوع المياه وخصوصا في القرى التي تحتضن تجمعات سورية، ولا يخفي اغلب رؤساء البلديات في البقاع امتنانهم لهذه الهيئات التي اوجدت تمويلا لمشكلة مزمنة لم يتم توفير تمويل رسمي لها منذ عشرات السنين.