IMLebanon

قراءة خليجية لحرائق المنطقة: استعادة الأسد من إيران

bachar-assad--1

 

كتب سامي كليب في صحيفة “السفير”:

لم يكن الرئيس بشار الأسد عدونا يوماً، لكنه ارتمى كثيراً في أحضان إيران، هذه مشكلتنا معه حتى من قبل الحرب. لا مشكلة للكثير من دولنا الخليجية مع بقائه إذا ابتعد عن طهران وأحدث تغييرات في السلطة لإشراك المعارضة.

هكذا يتحدث مسؤول خليجي بعد 5 سنوات على الحرب المدمرة في سوريا. إيران هي المشكلة الخليجية الأولى، لكن السعودية التي تقود حملة مواجهتها خليجياً وعربياً وإسلامياً، تطرح هي الأخرى علامات استفهام وقلق عند جيرانها الخليجيين حول وضعيها الداخلي والخارجي، تماماً كما أن ضبابية الانتخابات الأميركية، وعدم رغبة واشنطن في إنهاء الصراع السوري، كلها مؤشرات تزيد في سوداوية التحليل الخليجي للمنطقة.

زيارة الخليج هذه الأيام تكتسب أهمية خاصة. تبدو هذه المنطقة من الوطن العربي زاخرة بالحيوية والقلق. يشعر الخليجيون أنهم في ذروة التحدي مع إيران، لكن حرائق المنطقة وقيادة السعودية لمرحلة المواجهة تفرض على العقلاء بينهم قراءة متأنية للمصالح وسط تراجع اقتصادي وارتفاع لافت للأسعار. على مذبح هذه المصالح، كان استياؤهم الكبير من “التضحية” التي قدمها الرئيس الأميركي باراك أوباما لإيران على حساب الخليج. هم يتساءلون، حتى هذه اللحظة: ما هو المدى الذي وصلت إليه تلك العلاقات الإيرانية الأميركية؟ هل تستمر مع تغيير الرئيس الأميركي؟ لماذا يزداد “التمدد” الإيراني في المنطقة منذ الاتفاق النووي؟ وهل صارت إيران “ضمن المنظومة الدولية للحلول” بعد أن كانت بنظر الغرب هي المشكلة؟

فما هو مختصر ما يسمعه زائر الخليج هذه الأيام؟

بالنسبة لسوريا

ـ إذا استمرت الأوضاع على وتيرتها الدموية الحالية، فإن سوريا ذاهبة حتماً الى التقسيم. لا يمكن تسليم الشمال للحلف المناهض للأطلسي وتركيا والسعودية. هذا ما يفسر شراسة المعركة هناك. حلب هي الفيصل. على أساسها يمكن فهم التفاهم الأميركي الروسي. موسكو لا تؤيد حالياً المغامرات. تريد تفاهمات مع أوباما للحصول على الكثير منه قبل رحيله. ثمة معلومات خليجية تتحدث عن تصادم وصل إلى المستوى العسكري حصل بين القوات الروسية والقوات الإيرانية والسورية قبل أيام في الشمال بسبب خان طومان وغيرها.

ـ الأميركيون رفضوا منذ البداية البحث بأي حل جدي لسوريا. حين كنا نسألهم: ماذا ستفعلون بعد سقوط الأسد لو فرضنا أنكم ستنجحون بإسقاطه، لأننا كنا نخشى تمدد الإرهاب وتفكك الدولة؟ كانوا يقولون إنهم لا يخشون ذلك، ثم بعد فترة عادوا إلينا يقولون إننا كنا على حق. الآن هم لا يعرفون ولا يريدون تحديد كيفية الحل في سوريا ولعلهم صاروا أكثر رغبة في تقسيمها.

ـ يقول مسؤولون خليجيون: إننا نرى أن التسلل الإيراني الى الجسد السوري يزداد. لدينا معلومات عن عمليات تشييع فعلية. السطوة العسكرية الإيرانية باتت كبيرة. حين ذهب اللواء علي المملوك الى السعودية في صيف العام الماضي، جرى تركيز كبير على رفضنا لهذا الغرق السوري في أتون إيران. هذا ما قلناه أيضاً لمسؤولين سوريين مروا من هنا.

ـ بالرغم من كل الدماء، لم تُغلق الأبواب كلياً مع دمشق. لا يزال بعض السفراء السوريين يعملون في الخليج، لا بل إن بعض الدول الخليجية مثل الإمارات حدّت كثيراً من نشاط المعارضة ومنعت نشر أي أعلام مثلثة النجمة (التي رفعتها المعارضة). دول أخرى تتواصل عبر قنوات مباشرة أو غير مباشرة.

ـ يمكن لدول الخليج القبول ببقاء الرئيس الأسد. هناك أصلاً بعض التباينات حول هذا الموضوع. وزير الخارجية السعودي مثلاً يردد أن لا حل بوجود الأسد وأنه لا بد من رحيله بالسياسة أو عبر عملية عسكرية. قطر لها رأي مماثل وهي حالياً خلف السعودية وتحاول موسكو تعديل رأيها، لكن دولاً أخرى مثل الكويت أو الإمارات أو سلطنة عمان لا ترى ضيراً في بقاء الأسد. لا بل إن بعض هذه الدول يعتبر أن إعادة الخطوط مع النظام السوري قد تساعد في تخفيف “الوطأة الإيرانية”.

يقول أنصار هذا التوجه إن بعض القيادات السورية عسكرية وسياسية تبدو هي الأخرى أكثر ميلاً للعلاقة مع روسيا من منطلق العلاقة من دولة الى دولة لكنها بحاجة الى الدعم الإيراني. لا بد إذاً من إيجاد وسيلة للقول إن أي انفتاح على سوريا بحاجة الى موقف سوري حيال إيران. هذا صعب الآن ولكنه قد يصبح أسهل مع الوقت.

بالنسبة لأميركا والسعودية؟

ـ يتعامل عدد من قادة الخليج مع ولي ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان على أنه الملك. يشكل الرجل بالنسبة لهم حالة لافتة. هم كغيرهم لم يكونوا يعرفونه كثيراً. لعله فاجأ الكثير منهم. يقولون إنه صار يتعامل مع دول كالإمارات مثلاً على مستوى الشراكة ويكثف التشاور. يوحي بأنه يريد إحداث تغييرات كبيرة في الداخل السعودي والخارج وعلى مستوى المواجهة مع إيران. يتفاعل مع المحيط الخليجي. يُلاحَظ مثلاً أنه حين وضع العرش السعودي مع مستشارين محليين وغربيين «رؤيا السعودية 2030»، فقد اقتبس نقاطاً مهمة من الخطط التنموية التي تبنتها وتنفذها إمارة دبي التي تبدو هذه الأيام مدينة عصرية، أنيقة، تضاهي مدن الغرب تنظيماً وأمنا وجمالاً وحسن إدارة. السعودية تريد وضع خطط لما بعد مرحلة النفط الذي تتخلى عنه أميركا، دبي التي ليس عندها نفط أصلاً، سبقتها في المشاريع التنموية والعمرانية والسياحية ونجحت الى حد بعيد. لا بد إذاً من تكثيف التشاور مع حاكم دبي المهندس الفعلي لنقل دولته من الرمال الى السحاب الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم.

ـ السعودية غامضة المستقبل بالنسبة لبعض الجوار الخليجي. من سيكون الملك المقبل؟ الأمير محمد بن سلمان، أم ولي العهد الأمير محمد بن نايف الذي لا أولاد عنده؟ هل تُحسم المسألة في خلال حياة الملك سلمان منعاً لحدوث خلل؟ ولو حُسمت هل تستمر الأوضاع على هدوئها أم لا؟ ماذا يريد الأميركيون من السعودية فعلياً؟

ـ يقول بعض الخبراء الخليجيين في شؤون الاقتصاد والمجتمع، إن في السعودية عوامل قلق تشبه ما كان في مصر قبل الثورة: الإدارة بحاجة الى تصحيح جذري. البنى المؤسساتية ضبابية. الفقر موجود. وضع الشيعة في المنطقة الشرقية يطرح أسئلة. الإرهاب له جذور وخلايا نائمة. العامل الديني متجذر ويراقب بحذر (على غرار ما فعل الإخوان المسلمون في مصر). شبكة التواصل الاجتماعي تضج بآراء لم يعهدها المجتمع السعودي. الطموحات لدى الأمراء متناقضة. الضغوط الغربية على المملكة كبيرة ومشبوهة. كل هذا يطرح في الجوار الخليجي أسئلة مقلقة بقدر ما أن قيادة السعودية حالياً لتحدي إيران يضع الجميع خلف الرياض (الشقيقة الكبرى كما يسمونها).

ماذا عن أميركا؟

هنا الأسئلة الكبرى: تزداد قناعة الخليجين بضرورة عدم الاعتماد على الدعم الأميركي في إدارة شؤونهم. لكنهم لا يريدون الخروج عن أسس التحالف الكبير مع واشنطن. يفضلون الآن انتظار الرئيس المقبل. لم يكن أوباما سهلاً معهم. وما كان التوجه صوب روسيا مفيداً أو مرغوباً. حصلت لقاءات كثيرة مع موسكو، لم تغير شيئاً لا في الملف السوري ولا في طبيعة التحدي مع إيران. أميركا تُبدي حذراً حيال كل تقارب خليجي روسي، لذلك فإن التقارب يبقى محدوداً، لكن على الأميركيين أن يحددوا ماذا يريدون من الخليج وإيران. هذا سيظهر أكثر في المرحلة المقبلة. حالياً ترسل واشنطن إشارات عدم رغبة في حل الملف السوري، وترسل إشارات تكاد تحصر كل سياستها الخارجية في محاربة الإرهاب، وحين يأتي أوباما الى الخليج فليقنع المسؤولين بالانفتاح على إيران. صار كوزير الخارجية الإيراني وليس كرئيس أميركا الحليفة.

لا تبدو مسألة الإرهاب كبيرة التأثير المقلق في الخليج بالرغم من أن الإرهاب ضرب السعودية. يقول بعض المسؤولين هنا: “إن تطويق الإرهاب ممكن، وإن داعش متعددة الرؤوس، وكل طرف في الصراعات والحرائق يستفيد منها على طريقته، لكن لو اتُخذ قرار دولي وإقليمي بإنهائها فهذا ممكن جداً”. يعتقد هؤلاء المسؤولون أن كل العجز الدولي أو عدم الرغبة في إيجاد حلول يتم تعليقه على شماعة الإرهاب. هكذا صارت إيران شريكاً في ضرب الإرهاب، ويصار الى تدفيع الخليج بعض الثمن.

ماذا عن العلاقة مع إسرائيل؟

ـ يتذكر مسؤولون خليجيون حماستهم لـ”حزب الله” والسيد حسن نصرالله عام 2006. حصلت اتصالات كثيرة آنذاك مباشرة وغير مباشرة. تم إرسال مساعدات. “لكن للأسف تغير الوضع لاحقاً. دخل الحزب في الحروب العربية خدمة لإيران”. يُعرب مسؤولون خليجيون عن قناعتهم بأن إيران بعد مرشد الثورة السيد علي خامنئي لن تعود بحاجة الى حروب، وعندها قد تنتفي حاجتها لـ”حزب الله”. يقول بعضهم إن الاتفاق النووي تضمّن في أحد ملاحقة غير المعلنة ترتيبات أمنية مع إسرائيل. يذهب بعضهم الآخر الى حد القول بأن ثمة علاقات يتم نسجها الآن بين مسؤولين إيرانيين وإسرائيلين. لكن لا أحد يملك أي دليل فعلي على ذلك.

ـ لا يؤيد كل الخليجيين ترحيلاً جماعياً للبنانيين الشيعة من الخليج في سياق الضغط على “حزب الله”. بعضهم يتروى في الأمر ويحصر الإبعاد بمن تثبت فعلياً عليه أي تهمة بالتعاون مع الحزب او الترويج له والمساهمة في تمويله. ثمة اتصالات تجري بين بعض المسؤولين الخليجيين و”حزب الله” مباشرة أو مداورة للتخفيف من وطأة هذا الأمر. يعتقد المسؤولون الخليجيون أن زيادة الضغط على المهاجرين الشيعة سيرميهم في أحضان الحزب، ولذلك من الأفضل احتواؤهم.

ـ يبدو بعض الخليجيين على قناعة بأن لقاء الأمير تركي الفيصل مع مسؤول إسرائيلي ليس أمراً عابراً. هو جزء من توجّه جديد في المملكة. قد تتبعه تغييرات فلسطينية “لسحب البساط من تحت أقدام الذرائع الإيرانية للتمدد في الدول العربية بذريعة قتال إسرائيل”. ربما الآن محمد دحلان هو الأوفر حظاً. للرجل احتضان خليجي (باستثناء قطر التي لا تزال تفضل “الإخوان” و”حماس”) وهو مقيم في الإمارات. سعى دحلان لإقناع “حماس” بأن تتخلى عن فكرة الرئاسة ورئاسة الحكومة لأن الغرب ودولاً عربية كثيرة لن يقبلوا بهم. قال إنهم يستطيعون الحصول على بعض الوزارات. يرى مسؤولون خليجيون أن دحلان ربما أكثر حظاً من مروان البرغوثي لخلافة الرئيس محمود عباس. هو مقبول أميركياً وإسرائيلياً ومن دول عربية. لو حصل هذا فإن الصراع الفلسطيني الإسرائيلي سيعود الى منطق مفاوضات السلام. حينها يتم تبرير كل انفتاح عربي جديد على إسرائيل. لا بد من إنهاء زمن المقاومة المسلحة. هكذا يعتقد مسؤولون خليجيون. حينها لا يعود لإيران دور.

من خلال كل ما تقدم تبدو إيران هي الهدف. يعتقد الخليجيون أن الضغط عليها في كل الجبهات (وهنا ثمة إشارات لافتة الى تموضع جديد لتيار مقتدى الصدر)، والضغط عليها لاحقاً في الداخل حيث ينتظرون ارتفاع لهجة المعتدلين والإصلاحيين، سيؤديان الى دفع طهران للتسويات وتخفيف التمدد والقبول بتنازلات…

هكذا يعتقد الخليجيون… وهذا ما يقولونه هذه الأيام… لكنهم كغيرهم يعرفون أن حلب ومنطقة الشمال السوري هما الفيصل سورياً وإقليمياً ودولياً.