IMLebanon

هل يُسبّب المال مشكلات عائلية وزوجية؟

كتبت ساسيليا دومط في صحيفة “الجمهورية”:

يعمل فادي كموظف في مؤسسة عقارية كما أنه يستورد ملابس نسائية من الخارج ويبيعها بالجملة على المحال. زوجته رنا لا تعمل بل تهتم بشؤون المنزل وبولديهما سامر وروي. الوضع الإجتماعي للعائلة متوسط، وتعود إدارة الأمور المالية في العائلة لرنا منذ بداية زواجهما، هي تقرّر بشأن المصروف، دفع الأقساط، السفر والتسوّق وغير ذلك. وذات يوم علمت الزوجة بأنّ فادي يخطط لشراء سيارة جديدة لطالما حلم بها، فجنّ جنونها، ورفضت ذلك رفضاً قاطعاً، واستغرب الزوج موقفها: «أنا أعمل ليلاً نهاراً، وهي تتنعّم، أنا أجني المال منذ سنوات طويلة وقد حان الوقت لأهتم بما يسعدني، وأنا أريد أن أشتري هذه السيارة».

المال هو المسبّب الأول للضغط النفسي، ما ينعكس سلباً على العلاقات، خصوصاً العائلية منها والزوجية. يرتبط بالمستوى المعيشي الشعور بالأمان والإستقرار، القوة والسلطة، السيطرة والحرية.

كما أنّ للمال رمزيةً خاصة، فهو يحدّد المستوى الإجتماعي للفرد، الرفاهية التي يعيش فيها، ما يعني أنّ مستوى الراحة والرضا مرتبط بشكل مباشر بالثروة المالية، المدخول، والحساب المصرفي. فعلى أساس الإمكانات المادية يقتني الإنسان بيته ومفروشاته، ويختار ملابسه وأماكن سهره وسفره.

على أساس ثروتنا والمظاهر الخارجية التي نعيش فيها تتفاوت الفوقية في طريقة تعاملنا مع الآخر أحياناً، وقد تقتصر قيمتنا الذاتية على ما نملك وليس على ما نحن عليه من ثقافة وذكاء وتوازن نفسي وشخصي.

لماذا المشكلات؟

تدور في الأسر ذات المستوى المعيشي المتوسط والمتدنّي جداً إشكالات لا تنتهي حول المصروف والمدخول والقدرة على القيام ببعض التغييرات، كشراء منزل جديد، مفروشات، سيارة وغير ذلك.

فما هي أسباب هذه المشاكل بين الأزواج؟

أولاً، الفرق في الطباع، يميل أحدهما إلى عيش الملذات الآنيّة بينما يفضّل الآخر التخطيط للمستقبل.

ثانياً، قلق أحد الشريكين وخوفه من المستقبل وقد يكون السبب الإنتقال من الفقر الشديد إلى الغنى، أو العكس.

ثالثاً، تمسّك كلّ من الزوجين بالعادات والتقاليد العائلية التي نشأ فيها، والسعي للتشبّه بتجارب أهله وتكرارها.

رابعاً، تسلّم إدارة المال من قبل الرجل أو المرأة.

خامساً، المشارَكة بدفع المستحقات عندما يتقاضى الشريكان أجوراً متفاوتة.

سادساً، التبذير قبل تسديد الديون والمستحقات.

سابعاً، المبالغة بتبذير المال وإخفاء ذلك عن الشريك لعدم إغضابه.

ثامناً، الحسابات المصرفية المنفصلة.

كيف نتجنّب النزاعات التي يسبّبها المال في الزواج؟

إنّ اتخاذ القرار بحلّ المشاكل التي تتعلّق بالشؤون المالية في الأسرة حكمة بحدّ ذاتها، وهذا يتطلب مهاراتٍ مميّزة في التواصل والحوار، قدرة على التحليل والتصرّف بموضوعية، تفهّم الآخر وتقبّل رأيه رغم اختلافه عن رأيي.

تعكس المشاكل الزوجية لأسباب مالية أموراً تتعلّق بالثقة المتبادَلة والنضوج وتحمّل المسؤولية. كما تدعو الأسرار بين الشريكين حول الحسابات المصرفية إلى الشك وعدم الثقة بالآخر وشعور دائم بأنّ هناك أموراً مجهولة يقوم بها.

عند وقوع الخلاف لأسباب مالية بين الزوجين، لا بد من الإنتباه إلى أنّ هذا الشريك هو مَن تربطنا به علاقة حب وودّ ومشوار حياة، وبالتالي عدم السماح للمال بالتفريق فيما بيننا وإلّا تحوّل إلى عدوّ شرس. كما أنه من الضروري التركيز على مخاوف الآخر، على قلقه ومعرفة أسباب ذلك، واعتماد الموضوعية في الحكم على الأمور والإهتمام بالحاجات الأوّلية التي تصبّ في مصلحة العائلة ككل، وتجنّب المصالح الشخصية والأنانية الضيقة.

من الحكمة بمكان اعتماد الوضوح والدقة في الأمور المالية قبل الإرتباط، والقيام بما يشبه الميثاق الزوجي من خلال الإتفاق على الأولويات والمشاريع المستقبلية، ما يُبقي سقف التوقعات قريباً من الواقع، بالإضافة إلى الإتفاق على مَن يتولّى إدارة الشؤون المالية للعائلة في المستقبل.

بين البخل وحسن الإدارة

يتّهم البعض الشريك بالبخل، لكن شتان ما بين البخل والحرص، والحذر من الغرق في الديون والإستحقاقات المالية، فالخيار السليم يكمن في تسديد المتطلبات والأقساط، تأمين أساسيات الحاجات اليومية وبعدها الإنتقال إلى التسوّق وشراء الهدايا والسفر والسهر.

البخيل هو مَن يملك المال لكنه لا يتخلّى عنه، لا بل علاقته به مرضيَّة. يحرم نفسه والمقرّبين من ضروريات الحياة، ويبقى همّه الأكبر جمع المال. سلوك الشخص البخيل لاعقلاني وهو بحاجة للعلاج النفسي. يعاني من التعلّق بالأشياء ويعيش محروماً فقيراً، يعزله الناس ويرفضونه بسبب بخله وتشدّده.

الكرم عكس البخل، إلّا أنّ المقلب الآخر للأخير هو التبذير والبذخ والهدر بهدف التباهي والإدعاء والتفاخر، ويُعتبر المبذّر بعيداً بعد البخيل من التوازن على صعيد المال والتعلّق به. بين البخل والهدر «توازن»، وليس المال سوى وسيلة لتسهيل الأمور الحياتية والعلاقة بين الناس. فلنركّز على الغنى الشخصي والنفسي، فلنتسابق على الغنى الثقافي، على الوعي والمعرفة، ولنتشارك ذلك مع الجميع.