IMLebanon

وقائع من الحوارات المغلقة بين لبنان والمؤسسات المالية الدولية

 

 

كتب ناصر شرارة في صحيفة “الجمهورية”:

إثرَ خروج لبنان من أزمة الفراغ الرئاسي وانتخاب العماد ميشال عون رئيساً للجمهورية، سطّر البنك الدولي كتيّباً صغيراً، تضمَّنَ مقدّمة وعشرَ توصيات تُشكّل من وجهة نظره، خريطة عملٍ لنجاة لبنان من خطر الانهيار الاقتصادي والمالي.هناك ثلاث نقاط تتصدّر التوصيات العشر، جاءت وفق الترتيب التالي:

الأولى، إقرار قانون الموازنة، مع تسريع بتّ مجلس النواب لقانون الشراكة بين القطاعين العام والخاص المعروض امامه منذ فترة.

الثانية تطبيق آليات الشفافية.

الثالثة حلّ أزمة الكهرباء بما يؤمّن وقفَ الهدرِ في هذا القطاع …

والواقع أنّ ممثّلي البنك الدولي الذين حملوا النصائح العشر إلى لبنان، أبلغوا المسؤولين اللبنانيين، أنّ هذه اللحظة (إنهاء الفراغ الرئاسي وتشكيل حكومة جديدة) هي فرصة ولو متأخّرة، يمكن للبنان انتهازُها للبدء في تنفيذ خطة إنقاذ اقتصادية ممنهَجة، وفي حال تفويتِها هناك خشية من الخراب الاقتصادي.

ونَقل أحد السياسيين اللبنانيين لـ«الجمهورية» عن احد ممثلي البنك الدولي أنّ الفرصة ما زالت متاحة امام لبنان للتفاهم مع المؤسسات المالية الدولية على خريطة إنقاذ اقتصادي مدعومة دولياً، ولكن في حال أضاعت الدولة اللبنانية هذه الفرصة ولم تُبدِ إرادةً للمباشرة بسياسات إصلاحية عاجلة، فإنّ لبنان سيجد نفسَه بعد فترة، أشبَه بمريض ميؤوس من حالته، يستغيث لنَقله الى العناية الفائقة.

ومِن وجهة نظر اوساط اقتصادية، فإنّ الدولة اللبنانية لا تزال ضمن فترة اختبار مع تسجيل نقاط سلبية وأُخرى إيجابية.

صحيح أنّ إنجاز وضعِ الموازنة بعد انقطاع طويل، يُعتبر أمراً إيجابياً على اكثر من صعيد، ويُعبّر عن إرادة إصلاحية، ولكن في المقابل شكّلت خطوة الذهاب لحلّ ازمة الكهرباء عن طريق استئجار البواخر، رسالةً محبطة وغير إيجابية لثالث وصايا البنك الدولي التي تَعتبر انّ حلّ أزمة الكهرباء بأسلوب الشراكة بين القطاعين العام والخاص وعلى نحو يوقفُ الهدر، يمثّل أحدَ المداخل الاساسية، وإحدى الخطوات الأولى الضرورية للبدء بالسير على طريق تفادي الانهيار الاقتصادي.

وقد أرسل رئيس الحكومة الشيخ سعد الحريري قبل أسابيع الى بروكسل ممثّلاً عنه ليشارك في اجتماع وفد اقتصادي رسمي لبناني مع مؤسسات مالية اوروبية، في حضور ممثّلين عن المديريات المعنية في المفوّضية الاوروبية بالإضافة إلى جهاز العمل الخارجي الأوروبي.

وهدفُ هذا الاجتماع، كما شرَحه مايكل كوهلر (مدير الجوار الجنوبي في المديرية العامة للجوار ومفاوضات التوسّع في المفوّضية الأوروبية)، هو توفير فرصة للمؤسسات المالية الاوروبية لمعرفة الأولويات الاقتصادية للحكومة اللبنانية، وتوفير الفرصة للحكومة اللبنانية لمعرفة أين تقع إمكانات التعاون بشكل أفضل مع المؤسسات المالية الاوروبية التي شارَكت كبرياتها في الاجتماع، وهي «بنك التنمية الألماني» و«البنك الاوروبي للتنمية وإعادة الإعمار» و«وكالة التنمية الفرنسية» و«بنك الاستثمار الاوروبي».

وقد شكّلَ اجتماع بروكسل أوّل مناسبة لتدشين حوار بين لبنان في مرحلته السياسية الجديدة وبين المؤسسات المالية الاوروبية، هدفُه التمهيد لانخراط الأخيرة في الإسهام الدولي الجاري لإنقاذ الوضع اللبناني من الانهيار الاقتصادي.

وخلال مداخلاته، ركّز كوهلر على فكرتين أساسيتين، تُبينان آفاقَ الدعم المالي الاوروبي للبنان وواقعه الراهن، وما يمكن ان يقدّمه في الفترة المنظورة المقبلة:

الفكرة الأولى التي طرحها كوهلر توضح انّ لبنان، لأسباب مختلفة أهمُّها الشلل الداخلي الذي مرّ به، كان أقلَّ الدولِ استفادةً من آليات المساعدة الاوروبية، في حين أنّ مصر وتونس كانتا الأكثر استفادةً من هذه الآليّة.

الفكرة الثانية أفادت أنّ لبنان أمام فرصة لتعويض ما فاته من المساعدات الاوروبية، بحسب كوهلر، حيث يوجد لدى الاتحاد الاوروبي نيّة لتوسعة الاستثمار الاوروبي في الخارج لمشاريع بقيمة ٤٤ مليار يورو، ويمكن ان تصل الى ٨٨ مليار يورو.

وأكّد أنّ لبنان يمكنه الإفادة من التمويل في قطاعات الطاقة والمياه والنقل والخدمات الاجتماعية، وأشار الى وجود إمكانية لتقديم الدعم للبنان في مشاريع البنى التحتية التي سيفيد منها النازحون السوريون. كما أشار إلى « توافر إمكانية لأن يفيد القطاع الخاص اللبناني مباشرةً من خطة الاستثمار الخارجي الاوروبية».

أمّا المداخلة التي أدلى بها ممثّل رئيس الحكومة في الاجتماع، فكشفَت عن طبيعة مقاربة الحكومة اللبنانية للإنقاذ الاقتصادي التي يقوم رئيس الحكومة بعرضها على المجتمع الدولي من خلال زياراته لدوَله أو من خلال إيفاد مندوبيه للمحافل المالية العالمية.

وبعدما شدّد ممثّل الحريري على أهمّية توقيتِ لقاء بروكسل، أكّد أنّ لبنان أصبح أكثرَ استعداداً للإفادة من آليات المساعدات الأوروبية (والمقصود بخاصة آلية nif ) التي فاته أن يستفيد منها في المرحلة السابقة، وأنّ الحريري مهتم بها بشكل خاص.

ثمّ عرض ممثّل رئيس الحكومة عناوين الخطة الحكومية اللبنانية للإنقاذ، والصعوبات الداخلية والخارجية، وعبءَ استضافةِ لبنان لنازحين بنسبةٍ كبيرة بكلّ المقاييس العالمية، إضافةً إلى تراجعِ نسبة النموّ فيه مع بدء الأزمة السورية إلى أقلّ من ١ بالمئة، ما رفعَ نسبة البطالة والمنافسة على الوظائف العامّة والتوتّر الاجتماعي وانخفاض التحويلات المالية الناتجة عن انخفاض أسعار النفط، إضافةً الى تراجع الاستقرار وارتفاع الإنفاق الضروري في القطاعات الأمنية.

ثمّ حدّد ممثّل الحريري كلفة مقاربة الحكومة الاقتصادية التي ستستمرّ لفترة ٨ سنوات وتحتاج لتمويل قيمته ١٢ مليار دولار.

وعرَض ما تطلبه الحكومة اللبنانية من أوروبا لمساعدتها، وطرَح الأسئلة التالية:

أوّلاً، يريد لبنان معرفة القيمة المالية التقريبية التي يمكن للجانب الأوروبي المساهمة فيها لدعم المقاربة اللبنانية الاقتصادية الإصلاحية.

ثانياً، بعض هذه المشاريع تمَّ المباشرة بها وتمَّ تأمين تمويل جزئي لها، ويريد لبنان معرفة مدى جهوزية الجانب الأوروبي لتأمين التمويل المتبقّي وقيمتُه ٧٥٠ مليون دولار.

أجاب كوهلر: من الصعب التكهّن مسبقاً بالمبالغ التي يمكن تأمينها لتمويل هذه المشاريع، لأنّ المبادرة في هذا الشأن تأتي من المؤسسات المالية الاوروبية نفسِها وليس من المفوّضية الاوروبية المستعدّة مبدئياً لتأمين التمويل المطلوب منها.

لكنّه أكّد أنّ المجتمع الدولي يعتبر أنّ الحكومة اللبنانية هي محاور مناسب له ومسؤول للتشارك معه في معالجة أزمة لبنان الاقتصادية، وأنّه يُثمّن وضعَ لبنان رؤيةً وخطة معالجةٍ اقتصادية، غير أنّ آلية مساعدات nif تبدأ بتبنّي المشروع المحتاج للتمويل من قبَل إحدى المؤسسات المالية الأوروبية التي تُوافق عليه وترفعه للمفوضية الاوروبية للحصول على الموافقة النهائية لبدء التمويل.

وبالتالي، تابَع كوهلر، فإنّ الجواب على السؤال اللبناني هو نعم مبدئياً، وأنه لا سقف للتمويل الاوروبي، ولكن عبر الآلية المشار إليها.

.. وبإحالة الكرة الى ملعب المؤسسات المالية الاوروبية، فإنّ الأخيرة ردّت على أسئلة الحكومة اللبنانية عن جاهزيتها لتمويل المشاريع الجاهزة، بأنّ هناك إمكانيةً لفِعل ذلك شرط إيداعها نسخةً عن المشاريع المطروحة للتنفيذ، مع الإشارة الى توجّهِ المؤسسات المالية للاستثمار في قطاعات محدّدة ، كالبنى التحتية التي يتعهّدها خاصةً بنك الاستثمار الاوروبي، وعملية إعادة الإعمار ويتخصّص بها البنك الأوروبي للتنمية، والعمليات الإنمائية في المياه والصرف الصحّي التي يتخصّص بها بنك التنمية الألماني، وقطاع المياه والصرف الصحي، ويتعهّده بنك التنمية الألماني، وقطاع النقل، وتتميّز به وكالة التنمية الفرنسية.

… وبقيَ الأهم، وهو الشروع في وضعِ خطّة تنفيذية لإفادة لبنان من القرار الاوروبي بالانخراط في الجهد الدولي لإنقاذ اقتصاده ومنعِ انهياره. وبحسب معلومات «الجمهورية»، فإنّ ممثّل رئيس الحكومة في اجتماع بروكسل عرَض على المفوضية الاوروبية تنظيم لقاء اقتصادي موسّع في أيلول المقبل مبدئياً في بلجيكا، يَحضره ممثّلو القطاع الخاص اللبناني (غرف تجارة ومصارف وصناعيون…) فضلاً عن القطاع الحكومي، بهدف عرض إمكانية إفادة القطاع الخاص من خطة الاستثمار الخارجي الاوروبي من جهة، وبحث إمكانية تعزيز التبادل التجاري ومناقشة العوائق التي تمنَع منتجات لبنان من دخول الأسواق الاوروبية. ووَعدت المفوضية الدولية بالردّ على هذا الاقتراح .