IMLebanon

وقائع “نقاش الحرب” على “حزب الله”

كتب ناصر شرارة في صحيفة “الجمهورية”:

لا شكّ أنّ زيارة رئيس حزب «القوات اللبنانية» سمير جعجع الأخيرة للرياض والتي سبقت زيارة الرئيس سعد الحريري، كانت تأسيسية للمرحلة الراهنة التي دخلها لبنان منذ الرابع من الشهر الجاري. وخلال اجتماعاته مع المسؤولين السعوديين لمس أنّ السعودية عائدة بقوة الى لبنان، وأنه منذ هذه اللحظة لا مهادنة مع «حزب الله»، ولا حتى مع مَن يهادنه من اللبنانيين.بعد عودة الرئيس سعد الحريري من زيارته ما قبل الاخيرة للرياض، وما نُقل عنه من أنّ السعودية مع الانفتاح على كل الأطراف اللبنانية وأنها مع بقاء الحكومة اللبنانية وليس صحيحاً أنها أجرت تغييراتٍ جذرية وتصعيدية في موقفها من لبنان، كان جعجع من بين القلائل الذين لم يصدّقوا هذا الانطباع، وكان متأكّداً من أنّ هذه الاجواء لا تعكس الحقيقة التي هي نقيض ذلك تماماً.

وفي الأساس فإنّ جعجع كان عاد من السعودية، بانطباع يفيد أنه حتى تلك اللحظة لا الحريري ولا وليد جنبلاط تحمّسا لرغبة الرياض في تصعيد الضغط السياسي المفتوح على «حزب الله»، ولكنّ السؤالَ الذي دار في رأس جعجع هو: الى أيّ مدى يستطيع الحريري معاندة التوجّه السعودي الجديد؟.

ولم يكن جعجع يجافي الحقيقة عندما قال أمس الأول إنه لم يتفاجأ باستقالة الحريري ولكنه تفاجأ بتبكير حصولها، إذ كان يتوقع حدوث استقالته مطلع السنة المقبلة. لكن على ما يبدو حدثت تطوّرات داخلية كبيرة في السعودية أملت ضرورة أن يواكبها التبكير في مواقيت بدء المواجهة على جبهة واسعة مع إيران تمتدّ من اليمن فسوريا الى العراق فلبنان.

وهناك في أجندة الدول والأطراف التي تعمل ضد نفوذ إيران في المنطقة انتظارٌ لتوقيت حدّده لهم الأميركان، وهو لحظة الإنتهاء من ملف تصفية «داعش» في كل من سوريا والعراق، حيث حينها ستحين لحظة التفرّغ للبدء بمشروع «تنقية» الميدان السياسي العسكري في هذه الدول من النفوذ الإيراني.

النظريةُ السائدة في واشنطن تفيد أنه طالما ظلّت «داعش» في الميدان السوري والعراقي، فإنّ هذين الميدانين سيظلان غير مقروءَين عسكرياً وسياسياً، نظراً لأنه يوجد فيهما «خليط قوى عسكرية متناقض»، هناك حاجة موقتة له حالياً، لأنه يفيد في إنجاز مهمة إنهاء ظاهرة «داعش».

وفقط بعد إنتهاء ظاهرة «داعش» سيصبح الميدانان السوري والعراقي مقروءَين عسكرياً وسياسياً. وحينها سيكون ممكناً لواشنطن وحلفائها الحديث عن بدء توجيه ضغوط حادة ومركّبة لجعل سوريا والعراق وحتى لبنان، بلا نفوذ إيراني، أو أقلّه بنفوذ مقنّن.

والسؤال الذي لايزال هناك غموض في الاجابة عليه حتى داخل محور المواجهة مع إيران، هو كيف يمكن تجسيد هذه النظرية على الارض؟ وبمعنى آخر، مَن هي القوة التي ستؤدّي مهمة إخراج إيران من دول المشرق العربي؟ وبتحديد أكثر، هل تتوافر الأدوات القادرة على تنفيذ هذه المهمة التي بات يوجد قرار دولي في شأنها؟

لم تعد خافية في هذا المجال طبيعة السيناريوهات المطروحة منذ اشهر عدة، والتي يؤكّد غير مصدر ديبلوماسي أنها جميعاً تندرج تحت «عنوان نقاش الحرب على حزب الله وإيران». ويجب التشديد هنا عند اصطلاح «نقاش الحرب» وليس «نقاش خطط الحرب»، ما يعني أنّ هذا النقاش حتى الآن لم يصل الى نتيجة حاسمة تفضي الى بلورة خطط حرب قابلة للتنفيذ.

وخلال فترة الأسابيع الماضية مر«نقاش الحرب» ضد «حزب الله»، بمراحل عدة، وتمّ تداولُه على أكثر من مستوى. أحد هذه المستويات كان بين الولايات المتحدة الأميركية ودول خليجية، وتمّ خلاله التشاور في فكرة تشكيلِ محورٍ إقليمي ـ دولي على غرار ما هو قائم ضد «داعش»، ولكن هذه المرة ضد «حزب الله» في سوريا ولبنان وضد «الحشد الشعبي» في العراق.

ثمّة هوّة لم يتمّ جسرها حتى الآن بين طرفَي هذا النقاش، وهي تتمثّل بالمفاضلة ما بين إنشاء «تحالف دولي وإقليمي» لمواجهة الحزب، أم أنّ الأفضل إنشاء «تنسيق دولي وإقليمي» لمواجهته؟.

الأميركيون يميلون الى «إنشاء تنسيق»، وهذه علامة تدلّ على عدم حماستهم للمواجهة، أو أقلّه أنهم يريدونها متمرحلة وعلى شكل مواجهات متنقّلة ومعارك نقطوية، وليست مفتوحة وبضربة واحدة.

أما «نقاش الحرب على حزب الله» بين إسرائيل وأميركا، فتَركَّز على توقيته، وعمّا إذا كان يجب تبكيره، أم يجب الانتظار حتى إنهاء ملف «داعش» الذي تعطيه واشنطن أولوية على أيّ هدف آخر؟ ومرةً أخرى أصرّت واشنطن على أنه لن يكون ممكناً التمييز بين إقليمَي «قوى الشر» و«قوى الخير» في الميدانَين السوري والعراقي إلّا بعد الإنتهاء من مهمة تصفية ظاهرة «داعش» فيهما.

وحينها فقط سيصبح التداخل الميداني بين العنصرالإيراني والعنصر الروسي والعنصر التركي والعناصر الاخرى، قابلة لأحداث فرز في ما بينها، وقابلة لإخضاعها لعملية تميّز، ما يجعل واشنطن بالتالي قادرة على قول كلمتها السياسية والعسكرية في شأن مَن سيبقى في هذا الميدان من الإقليميين ومَن عليه الخروج منه.

سيحتاج الأمرُ لإجراء مراجعة للتفاهم الأميركي مع الروس في سوريا، ولتحديد مضمون التسوية السورية النهائية. وهذه المرحلة قاربت على الابتداء، حيث كانت واشنطن حدّدت توقيتَها نظرياً، بعد إخراج «داعش» من البوكمال التي هي آخر معاقل «داعش» في سوريا.

والسؤال الذي يطرح نفسَه كاستنتاجٍ ممّا يتسرّب عن نقاش الحرب على «حزب الله» الجاري في كواليس إقليمية وأميركية، منذ أشهر، هو هل فعلاً ستكون البوكمال آخر حرب ضد «داعش»، وبعدها تبدأ أولُ حروب «التحالف الدولي والإقليمي» السياسية والعسكرية والاقتصادية ضد «حزب الله» بصفته الذراعَ الأبرز للنفوذ الإيراني في دول المشرق؟

في خطابه ما قبل الأخير تساءل الأمين العام لـ«حزب الله» السيد حسن نصرالله عن سرّ إشاعة تتحدّث عن إنشاء تحالف إقليمي عربي وأميركي على وزن «عاصفة الحزم» في اليمن، لضرب «حزب الله».

ولم يكن نصرالله في كلامه عن هذا الموضوع، في وارد الردّ على إشاعةٍ تسرّبت على وسائل التواصل الاجتماعي كما حاول أن يوحي، ولكنه فضّل الإشارة اليها كإشاعة، ليردَّ عليها برسالة صاغها على شكل تساؤل حاول أن يسخّف بها هذه الفكرة التي هي فعلاً إحدى الأفكار الواردة على جدول نقاش الحرب على الحزب.

وتساءل نصر الله: لكن من أين سيوجّه هذا التحالف ضرباته للحزب طالما أن ليس لديه حدود جغرافية مع لبنان؟ ثمّ في معرض ما طرحه من تساؤلات عمّا سمّاه الإشاعة التي لا تُصدَّق موضوعياً، مرّر رسائلَ عن حجم الرد الذي سيلقاه المهاجمون. واللافت أنّ تساؤلَ نصرالله نفسه كان طرحه أحد مستشاري وزراة الخارجية الإيرانية منذ ثلاثة أيام!

وأمس الأول قال الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ما معناه إنه ضد الحرب على «حزب الله» وإيران. وحينما يعلن السيسي ذلك، فهذا يعطي دليلاً إضافياً على أنّ الأمرَ مطروحٌ في مناقاشات واشنطن مع المحوَر العربي.